هبة زووم – الرباط
رفعت رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، سقف الوعود عالياً وهي تعرض، يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، أمام مجلسي البرلمان، توجهات حكومتها في محاربة الفساد والريع وتضارب المصالح، معلنة عن إجراءات تشمل تجريم الإثراء غير المشروع، وتشديد مراقبة الصفقات العمومية، ومحاربة الاحتكار، وتعزيز التصريح بالممتلكات، وتوسيع فرص المقاولات الصغرى والمتوسطة في الولوج إلى الطلبية العمومية.
لكن بين قوة الخطاب السياسي وصعوبة تنزيل الإصلاحات، تقف أسئلة لا يمكن تجاوزها: هل نحن أمام بداية فعلية لتفكيك منظومة الريع وتضارب المصالح، أم أمام عناوين ثقيلة ستفقد بريقها بمجرد مغادرة منصة البرلمان؟
فالمغاربة لم يعودوا في حاجة إلى مزيد من التعهدات العامة بشأن النزاهة والشفافية بقدر حاجتهم إلى إجراءات ملموسة، وقوانين واضحة، ومحاسبة لا تستثني أصحاب النفوذ، أياً كانت مواقعهم أو انتماءاتهم.
فمحاربة الفساد لا تُقاس بعدد المرات التي ترد فيها كلمة «الحكامة» في الخطب الرسمية، بل بقدرة المؤسسات على منع تضارب المصالح، وكشف المستفيدين من الامتيازات غير المشروعة، ومساءلة كل من يثبت تورطه في استغلال السلطة أو المال العام.
تجريم الإثراء غير المشروع.. الاختبار الأصعب
إن الإعلان عن التوجه نحو تجريم الإثراء غير المشروع وتفعيل مقتضيات الفصل 36 من الدستور بشأن تضارب المصالح يضع الحكومة أمام امتحان تشريعي ومؤسساتي حقيقي.
فالمطلوب ليس الاكتفاء بإعلان النوايا، وإنما تقديم نصوص دقيقة تحدد الأفعال المعاقب عليها، وتضمن تطبيق القانون على الجميع، وتوفر الضمانات القانونية اللازمة.
كما أن تعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات لن تكون له قيمة ردعية كافية إذا ظل مجرد إجراء شكلي لا يقترن بالمراقبة الفعلية، والتحقق من المعطيات، وترتيب الآثار القانونية عند رصد مخالفات ثابتة.
والسؤال الذي ينتظر المغاربة جواباً عنه هو: هل ستتحول هذه الالتزامات إلى تشريعات نافذة وآليات رقابة فعالة، أم ستظل ملفات الإصلاح معلقة بين الوعود والتأجيل؟
الصفقات العمومية.. حيث تُختبر الشفافية بالأرقام
أما تشديد مراقبة الصفقات العمومية والتحقيق في التواطؤ المحتمل في طلبات العروض، فهو من الملفات التي تتطلب أكثر من إعلان عن آليات جديدة. فالمطلوب قواعد شفافة في إسناد الصفقات، ومراقبة مستقلة وفعالة، ونشر المعطيات التي تسمح للرأي العام بتتبع كيفية إنفاق المال العام، مع ترتيب المسؤوليات كلما ثبتت المخالفات.
وفي ما يتعلق بتخصيص نسبة 30 في المائة للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة، ينبغي التمييز بين الإعلان الحكومي الجديد وبين الإطار القانوني القائم؛ إذ سبق لمرسوم الصفقات العمومية رقم 2.22.431 لسنة 2023 أن نص على تدابير لفائدة هذه المقاولات والمقاولين الذاتيين والتعاونيات، وهو ما يجعل التحدي الأساسي مرتبطاً بالتفعيل الفعلي، ومدى احترام المقتضيات، وكيفية احتساب النسبة ومراقبة المستفيدين منها.
فلا معنى لنسبة معلنة إذا ظلت فرص الولوج إلى الصفقات محكومة بتعقيد المساطر أو ضعف المنافسة أو شروط لا تستطيع المقاولات الصغيرة الوفاء بها. ولا قيمة لدعم المقاولة الوطنية إذا لم يُترجم إلى فرص حقيقية، وتوزيع أكثر عدلاً للطلبية العمومية، ومنافسة قائمة على الكفاءة والاستحقاق.
محاربة الاحتكار.. هل تصل الإصلاحات إلى جيب المواطن؟
وتتحدث الحكومة أيضاً عن إصلاح هيكلي لتنظيم الأسواق ومحاربة الاحتكار والوساطة الانتهازية، بتنسيق مع مجلس المنافسة. غير أن المواطن الذي يواجه ارتفاع تكاليف المعيشة لن يلمس أثر هذه الوعود بمجرد الإعلان عنها؛ بل عندما تظهر نتائج ملموسة في حماية المنافسة، والحد من الممارسات غير المشروعة، وضمان شروط أكثر إنصافاً للمنتجين والمستهلكين.
وهنا تبرز ضرورة أن تكون الإصلاحات محددة الأهداف والآجال، وأن تخضع نتائجها للتقييم العلني، بدل الاكتفاء بعناوين واسعة يصعب قياس أثرها.
من يراقب الوعود ويحاسب على تنفيذها؟
إن المعركة ضد الفساد والريع لا تُحسم بخطاب مهما بلغت قوته، ولا ببلاغ حكومي مهما كانت صياغته حازمة. إنها تحتاج إلى إرادة سياسية مستمرة، وتشريعات قابلة للتطبيق، ومؤسسات رقابية مستقلة وفعالة، وإتاحة المعلومات، ومحاسبة فعلية عند ثبوت المسؤولية.
كما أن مصداقية هذه المعركة ستُقاس بمدى تطبيق القواعد نفسها على الجميع، بعيداً عن الانتقائية أو الحسابات السياسية، وبقدرة الحكومة على تحويل التعهدات إلى نتائج يمكن للمواطن أن يلمسها في الخدمات العامة، والفرص الاقتصادية، وحماية المال العام.
لقد وضعت رئيسة الحكومة عناوين كبيرة على الطاولة؛ لكن العناوين وحدها لا تفكك شبكات المصالح، ولا تمنع الاحتكار، ولا تضمن نزاهة الصفقات. وما ينتظره الرأي العام ليس سباقاً جديداً في إطلاق الوعود، بل جدولاً واضحاً للإصلاح، ونصوصاً منشورة، وآجالاً محددة، وتقارير دورية تكشف ما نُفذ وما تعثر وأسباب ذلك.
فهل تتحول هذه الوعود إلى بداية فعلية لمحاسبة الفساد والريع، أم تنتهي مثل شعارات سابقة إلى فقاعات سياسية تنفجر بمجرد اصطدامها بواقع المصالح المتشابكة؟
الجواب لن تصنعه الخطب، بل ستكتبه القرارات والنصوص النافذة ونتائج التنفيذ. وفي ملف بحجم الفساد، لا يكفي أن تعلن الحكومة الحرب؛ الأهم أن تثبت أنها مستعدة لخوضها حتى النهاية، وبالقواعد نفسها على الجميع.
تعليقات الزوار