هبة زووم – الرباط
وضع إدريس الأزمي الإدريسي الحكومة أمام مساءلة سياسية جديدة بشأن جدوى الإعفاءات الضريبية والجمركية الممنوحة لمستوردي الأبقار واللحوم الحمراء، بعدما وصف هذه الامتيازات، خلال تدخله أمام لجنة المالية بالبرلمان يوم الأربعاء، بأنها “ريع ومنكر”، منتقداً استمرار استفادة كبار المستوردين من الدعم والإعفاءات، في وقت لا يلمس فيه المواطن انعكاساً واضحاً لذلك على أسعار اللحوم.
وتعيد هذه التصريحات فتح واحد من أكثر الملفات إحراجاً للحكومة: كيف يمكن تبرير تخصيص امتيازات مالية وجبائية لفائدة مستوردي اللحوم الحمراء، بينما تظل الأسعار مرتفعة وتستنزف القدرة الشرائية للأسر المغربية؟ وهل حققت هذه التدابير الغاية المعلنة منها، أم أن المستهلك ظل الحلقة الأضعف في معادلة الدعم؟
إعفاءات بالجملة وأسعار لا ترحم
جوهر الانتقاد الذي طرحه الأزمي يتمثل في التناقض بين حجم الامتيازات الممنوحة للمستوردين والنتيجة المفترضة منها. فإذا كانت الإعفاءات الجمركية والضريبية تستهدف تسهيل الاستيراد وتوفير اللحوم بأسعار مناسبة، فإن استمرار الغلاء يفرض على الحكومة تقديم حصيلة واضحة تشرح أثر هذه الإجراءات على السوق، ومدى استفادة المستهلك النهائي منها.
فليس كافياً أن تعلن الحكومة عن إجراءات للدعم أو تخفيف الأعباء عن المستوردين، ثم تترك المواطنين يواجهون الأسعار المرتفعة من دون توضيحات دقيقة بشأن النتائج. المطلوب هو كشف المستفيدين من هذه الامتيازات، وحجم ما كلفته الميزانية العمومية، ومدى انعكاسها على أسعار البيع، مع التمييز بين الدعم الموجه إلى خفض كلفة الاستيراد والأثر الفعلي الذي يصل إلى جيوب المواطنين.
كما أن وصف هذه الإعفاءات بأنها «ريع» يضع الحكومة أمام ضرورة تقديم حججها بالأرقام والمعطيات، وتوضيح المعايير التي اعتمدتها لاختيار المستفيدين، وآليات مراقبة التزامهم بالأهداف المعلنة.
280 مليار درهم.. رقم يستدعي كشف الحساب
ولا يقف الجدل عند ملف اللحوم الحمراء، بل يمتد إلى تصريحات منسوبة إلى قياديين في حزب الأصالة والمعاصرة خلال الحملة الانتخابية، تحدثوا فيها عن تبديد 280 مليار درهم من الدعم، وهو رقم ضخم يستدعي، إذا تأكدت دقة التصريح وسياقه، توضيحاً رسمياً بشأن المقصود به، وطبيعة الدعم الذي يشمله، والفترة الزمنية المعنية، والأساس الذي استند إليه مطلقو هذا الرقم.
فإذا كان الحديث يتعلق بأموال عمومية صُرفت دون تحقيق أهدافها، فإن الأمر يتجاوز السجال الحزبي إلى سؤال المسؤولية السياسية والمالية، ويستوجب عرض المعطيات على الرأي العام، وتحديد أوجه صرف الأموال، وتقييم النتائج، وترتيب المسؤوليات عند ثبوت وجود اختلالات أو تبديد للمال العام.
أما إطلاق أرقام ضخمة خلال الحملات الانتخابية، ثم تركها معلقة بعد انتهاء المنافسة السياسية، فلا يخدم الشفافية ولا يعزز ثقة المواطنين في المؤسسات. ومن يثير شبهة تبديد المال العام يتحمل مسؤولية توضيح معطياته، كما تتحمل الحكومة مسؤولية الرد بالأرقام والوثائق، لا بالاكتفاء بالنفي أو التجاهل.
من يتحمل مسؤولية غياب الأثر؟
إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بالإعفاءات الممنوحة للمستوردين، بل بمدى قدرة السياسات العمومية على تحقيق نتائج ملموسة لفائدة المواطنين. فالدعم العمومي ليس هدية مجانية للمستفيدين، والإعفاء الضريبي ليس امتيازاً خارج المساءلة؛ كلاهما تدبيران يفترض أن يخدما المصلحة العامة، وأن يخضعا للتقييم والمراقبة.
وعليه، تبدو الحكومة مطالبة بكشف حصيلة الإعفاءات الممنوحة لمستوردي الأبقار واللحوم الحمراء، وتوضيح أثرها على الأسعار، والإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالرقم المتداول بشأن 280 مليار درهم، مع تحديد المسؤوليات بناءً على معطيات موثقة ونتائج رقابية واضحة.
فحين تتحمل المالية العمومية كلفة الامتيازات، بينما لا يظهر أثرها بالوضوح المنتظر على القدرة الشرائية، يصبح من حق المواطنين أن يسألوا: من استفاد فعلياً من الدعم؟ وأين ذهبت نتائجه؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا ثبت أن المال العام لم يحقق الأهداف التي صُرف من أجلها؟
تعليقات الزوار