اليحياوي يضع الأنظمة العربية أمام مرآة إسرائيل: ديمقراطية داخلية واستبداد في محيطها العربي

هبة زووم – الرباط
أعاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي فتح النقاش حول العلاقة المعقدة بين الديمقراطية والاستبداد والتطبيع مع إسرائيل، من خلال تدوينة جديدة اختار فيها مقاربة صادمة تقوم على مقارنة طبيعة النظام السياسي الإسرائيلي بالأنظمة العربية، معتبراً أن اختلال ميزان القوة لا يرتبط فقط بالتفوق العسكري والاقتصادي، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة التي تربط الحكام بشعوبهم ومدى احترامهم لإرادتها السياسية.
اليحياوي، في تدوينته، لا يقدم إسرائيل بوصفها نموذجاً ديمقراطياً متكاملاً أو تجربة خالية من التناقضات، بل يطرح مفارقة يعتبرها أساسية لفهم واقع المنطقة: ديمقراطية، كما يصفها، محصورة في دائرة مواطنيها، تقابلها أنظمة عربية لا تزال تعاني، وفق قراءته، من الاستبداد وغياب المحاسبة وضعف المؤسسات الديمقراطية.
ويختزل الباحث موقفه في فكرة مركزية مفادها أن الديمقراطية الإسرائيلية، مهما كانت حدودها وتناقضاتها، تتيح تنافساً سياسياً داخلياً، بينما تعجز أنظمة عربية عن بناء حياة سياسية تضمن التداول على السلطة وتحترم الاختلاف، وهو ما ينعكس، بحسب تحليله، على قدرتها على التفاوض من موقع قوة وعلى تمثيل المصالح الحقيقية لشعوبها.
في قراءة نقدية مباشرة، يوجه اليحياوي سهام انتقاده إلى ما يعتبره بنية سياسية عربية قائمة على الحكم العائلي والسلطوية وتركيز القرار في يد الحاكم، مع محدودية الرقابة والمحاسبة، فضلاً عن توظيف الثروة الوطنية في ظل اختلالات يرى أنها تعمق الفوارق بين الحاكم والمحكوم.
ولا يقف النقد عند حدود شكل النظام السياسي، بل يتجاوز ذلك إلى أزمة الشرعية والتمثيل. فحين تصبح الانتخابات، في نظر المواطنين، عاجزة عن إحداث تغيير فعلي، وحين لا تتحول المؤسسات المنتخبة إلى فضاءات حقيقية للمساءلة، يصبح السؤال مطروحاً حول مدى قدرة الحكومات على الادعاء بأنها تعبر عن إرادة شعوبها.
ومن هذا المنطلق، يربط الباحث بين ضعف الديمقراطية داخلياً وهشاشة الموقف الخارجي، معتبراً أن الأنظمة التي لا تستمد قوتها من مواطنيها تجد نفسها أكثر عرضة للحاجة إلى الحماية الخارجية، وأقل قدرة على فرض شروط متكافئة في علاقاتها الدولية.
وهي مقاربة تضع الأنظمة العربية أمام سؤال جوهري: هل يمكن بناء استقلال سياسي حقيقي في الخارج، في ظل غياب المشاركة السياسية الفعلية والمحاسبة في الداخل؟
الشق الأكثر إثارة في تدوينة اليحياوي يتعلق بالتطبيع مع إسرائيل، إذ يرى أن تل أبيب لا تنظر إلى هذه العلاقات باعتبارها مجرد اتفاقات دبلوماسية أو فرص للتعاون الاقتصادي، بل باعتبارها، وفق قراءته، مدخلاً لتعزيز النفوذ وبناء علاقات تبعية مع أنظمة عربية تفتقر إلى قاعدة ديمقراطية صلبة.
ويطرح الباحث، من خلال هذا التصور، إشكالية تتجاوز المواقف المؤيدة للتطبيع أو الرافضة له: هل يمكن الحديث عن علاقات استراتيجية متكافئة عندما تكون إحدى الجهات أكثر قوة ومتانة مؤسساتية، بينما تعاني الجهة الأخرى من اختلالات سياسية داخلية تجعل قرارها أقل ارتباطاً بالمحاسبة الشعبية؟
بالنسبة إلى اليحياوي، لا يكفي توقيع الاتفاقات أو تبادل المصالح لتأكيد أن العلاقة تخدم بالضرورة الشعوب المعنية. فالمعيار، في نظره، ينبغي أن يشمل طبيعة الشراكة، وحدود استقلال القرار الوطني، ومدى خضوع السياسات العمومية للمساءلة، فضلاً عن انعكاسات هذه العلاقات على القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
ويشدد هذا الطرح على أن التطبيع لا يمكن تقييمه فقط من خلال الخطاب الرسمي الذي يروج لمكاسبه المحتملة، بل يتطلب أيضاً فحص موازين القوة والالتزامات المتبادلة والنتائج الفعلية، بعيداً عن الشعارات الدبلوماسية.
وفي مقابل انتقاده للأنظمة العربية، يصف اليحياوي إسرائيل بأنها دولة استيطانية وعنصرية، وينتقد سياساتها تجاه الفلسطينيين والعرب. وهنا تبرز المفارقة التي تقوم عليها تدوينته: كيف يمكن لأنظمة لا تحترم، بحسب وصفه، إرادة شعوبها أن تدخل في علاقات مع دولة تتصرف من موقع القوة، ثم تقدم تلك العلاقات باعتبارها خياراً استراتيجياً يخدم المصالح الوطنية؟
غير أن المقارنة التي يطرحها الباحث تظل، في الوقت نفسه، موضوعاً للنقاش السياسي والفكري؛ فوجود مؤسسات انتخابية وتنافس حزبي داخل إسرائيل لا يعني أن نظامها الديمقراطي يشمل الفلسطينيين الخاضعين للاحتلال، ولا يلغي الانتقادات المرتبطة بالتمييز والاحتلال والاستيطان. كما أن توصيف الأنظمة العربية لا يمكن تعميمه بالدرجة نفسها على جميع الدول، بالنظر إلى اختلاف بنياتها السياسية والمؤسساتية وتجاربها الانتخابية.
لكن جوهر الرسالة التي يريد اليحياوي إيصالها يتجاوز المقارنة الشكلية بين نظامين سياسيين. إنه يدعو، من خلال نقده، إلى إعادة النظر في العلاقة بين الشرعية الداخلية والاستقلال الخارجي، وفي مدى قدرة الأنظمة على الدفاع عن مصالح شعوبها عندما تظل آليات الرقابة والمحاسبة محدودة.
تضع تدوينة اليحياوي قضية التطبيع في قلب سؤال أوسع يتعلق بطبيعة الدولة العربية الحديثة: هل يكفي امتلاك أدوات السلطة لإثبات القوة، أم أن القوة الحقيقية تبدأ من مؤسسات شرعية، ومواطنين يمتلكون حق الاختيار والمحاسبة، وثروة وطنية تخضع لتدبير مسؤول؟
فالدولة التي تستمد شرعيتها من المشاركة السياسية وتخضع قراراتها للمساءلة تكون، من حيث المبدأ، أقدر على بناء سياسة خارجية تستند إلى توافق وطني ومصالح واضحة. أما حين ينفصل القرار عن الرقابة الشعبية، فإن خطر تحوله إلى خيار محدود الشفافية يصبح أكبر.
وبين انتقاد الاستبداد العربي ورفض السياسات الإسرائيلية، يوجه اليحياوي رسالة سياسية واضحة: لا يمكن اختزال قوة الدول في السلاح والمال والعلاقات الدولية، كما لا يمكن اعتبار التطبيع نجاحاً دبلوماسياً لمجرد توقيعه أو الاحتفاء به رسمياً.
فالسؤال الحاسم، في نهاية المطاف، ليس فقط لماذا تبدو إسرائيل أقوى في محيطها، بل أيضاً لماذا لم تنجح دول عربية كثيرة في تحويل إمكاناتها البشرية والاقتصادية إلى قوة مؤسساتية مستقلة، قادرة على حماية مصالح مواطنيها والتفاوض باسمهم من موقع الندية، لا من موقع الحاجة إلى الحماية أو الارتهان لموازين القوة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد