هبة زووم – محمد أمين
لم تعد الإشكالات المرتبطة بجودة الخدمات العمومية بإقليم الناظور تحتمل الاكتفاء بالتبريرات الجاهزة أو المعالجة الموسمية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقطاعات تمس حياة المواطنين وحقوقهم الأساسية، وفي مقدمتها الصحة والتعليم والعدالة. فحين تتزايد الانتقادات وتتعالى الشكاوى، يصبح السؤال أكبر من مجرد رصد اختلالات متفرقة: أين تقف آليات الرقابة؟ ومن يتحمل مسؤولية التدخل عندما تتضرر مصالح المواطنين
في عهد العامل جمال الشعراني، تفرض هذه الأسئلة نفسها بإلحاح على مستوى تدبير الشأن الإقليمي، ليس من باب تحميل السلطات الترابية مسؤولية مباشرة عن كل ما يقع داخل الإدارات القطاعية، وإنما من منطلق مساءلة دورها في التنسيق والتتبع، كلٌّ في حدود اختصاصاته، ومدى قدرتها على الدفع نحو معالجة الاختلالات التي تستدعي التدخل.
في قطاع الصحة، لا يحتاج المواطن إلى خطابات مطمئنة بقدر ما يحتاج إلى مستشفى يحفظ كرامته، وطبيب يؤدي واجبه، وخدمات تضع صحة الإنسان فوق كل اعتبار. وأي شكاوى بشأن طلب مبالغ غير قانونية أو استغلال حاجة المرضى تستوجب التحقق الجدي، لأن تحويل المعاناة الصحية إلى فرصة للابتزاز، إن ثبت، ليس مجرد تجاوز إداري، بل مساس بحقوق أساسية وبالثقة في المرفق العمومي.
ولا يمكن مواجهة هذه الإشكالات بالتقليل من شأنها أو التعامل معها باعتبارها حالات عابرة قبل التحقق من حقيقتها. المطلوب هو استقبال الشكاوى، والتحقيق فيها، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، بدل ترك المواطنين يواجهون وحدهم تعقيدات العلاج ومخاوف الاستغلال.
أما قطاع العدالة، فإن أي ادعاء بوجود تدخلات غير مشروعة في الأحكام أو تأثيرات خارج المساطر القانونية يظل ادعاءً بالغ الخطورة، لا يجوز تحويله إلى حقيقة ثابتة من دون أدلة، كما لا يجوز تجاهله إذا استند إلى معطيات جدية تستوجب التحقيق. فالعدالة لا تستمد هيبتها من الشعارات، وإنما من استقلالها ونزاهة إجراءاتها وقدرة المؤسسات المختصة على التصدي لأي محاولة للتأثير غير المشروع في سيرها.
وفي التعليم، تبرز بدورها أسئلة حول تكافؤ الفرص وحدود العلاقة بين التعليم العمومي والدروس الخصوصية، خصوصاً عندما تثار شكاوى بشأن استغلال حاجة التلاميذ أو ممارسة ضغوط عليهم. فالتعليم ليس سوقاً مفتوحة للمساومة على مستقبل الناشئة، بل مسؤولية تربوية وأخلاقية تقتضي حماية المتعلمين وضمان حقهم في تعليم منصف.
إن خطورة الوضع لا تكمن فقط في وجود اختلالات محتملة داخل هذا القطاع أو ذاك، بل في احتمال أن يؤدي غياب الأجوبة الواضحة إلى ترسيخ شعور عام لدى المواطنين بأن الشكاوى لا تجد طريقها إلى المعالجة، وأن المحاسبة لا تتحرك بالسرعة والصرامة المطلوبتين.
ومن هنا، يصبح من المشروع طرح أسئلة مباشرة على الجهات المعنية بإقليم الناظور: ما حصيلة معالجة شكاوى المواطنين بشأن الخدمات الصحية والتعليمية؟ وما الإجراءات المتخذة للتنسيق مع المصالح المختصة كلما ظهرت مؤشرات على وجود تجاوزات؟ وهل يجري تقييم أداء المرافق العمومية على أساس نتائج ملموسة، أم أن الأمر ينتهي عند حدود الاجتماعات والتقارير والتصريحات؟
إن توجيه هذه الأسئلة إلى السلطات الإقليمية، وفي مقدمتها العامل جمال الشعراني، لا يعني افتراض مسؤولية شخصية عن كل اختلال محتمل، بل يضع مسألة الحكامة والتتبع والمساءلة في صلب النقاش العمومي، ويطالب بتوضيحات عملية تتناسب مع حجم الانتظارات.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الإدارة هو أن يفقد المواطن ثقته في جدوى الشكوى، وأن يتحول الصمت إلى انطباع بأن الاختلالات، متى وقعت، يمكن أن تمر دون مساءلة. فالمرفق العمومي وُجد لخدمة المواطن، وليس لإرهاقه أو دفعه إلى البحث عن وساطات ومسالك غير قانونية للحصول على حقوقه.
لذلك، فإن المطلوب ليس إطلاق اتهامات عامة أو إصدار أحكام مسبقة، بل فتح الملفات التي تتوفر بشأنها معطيات موثوقة، وإجراء التحقيقات والافتحاصات اللازمة، والإعلان عن نتائجها وفق القانون، وترتيب المسؤوليات كلما ثبتت المخالفات.
فالسؤال الحقيقي في الناظور ليس فقط: هل توجد اختلالات؟ بل أيضاً: هل توجد إرادة مؤسساتية كافية لكشفها ومعالجتها ومحاسبة المسؤولين عنها؟ ذلك أن استعادة ثقة المواطنين لا تتحقق بتجميل الواقع، وإنما بمواجهته بشجاعة وشفافية، ووضع حد لكل ممارسة تمس حقوق الناس أو تسيء إلى المرافق العمومية.
تعليقات الزوار