خريبكة في مواجهة أسئلة التنمية.. هل ينصت العامل هشام علوي المدغري لانتظارات السكان؟
هبة زووم – خريبكة
لا يطلب سكان خريبكة المستحيل، ولا ينتظرون معجزات خارج حدود الإمكانات المتاحة؛ كل ما يتطلعون إليه هو أن تتحول التنمية من شعارات معلنة إلى واقع يلمسونه في تفاصيل حياتهم اليومية، وأن يجدوا في المؤسسات الترابية والإدارية أجوبة عن أسئلتهم المتراكمة، بدل أن تظل انتظاراتهم معلقة بين الوعود وانتظار الفرج.
في عاصمة الفوسفاط، حيث تختزن الأرض ثروة معدنية ذات قيمة استراتيجية، يظل السؤال الاجتماعي حاضرًا بإلحاح: إلى أي حد تنعكس هذه الثروة على جودة الخدمات وفرص الشغل وظروف العيش؟ وكيف يمكن إقناع المواطن بجدوى السياسات التنموية حين لا يجد أثرها بالقدر الكافي في المدرسة والمستشفى والشارع وسوق العمل؟
إن الحديث عن حصيلة التدبير الترابي في إقليم خريبكة، منذ وصول العامل هشام العلوي المدغري إلى المسؤولية، لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد تبادل للاتهامات أو إطلاق أحكام جاهزة، بل يستدعي نقاشًا جادًا حول النتائج المحققة، والمشاريع المنجزة، والاختلالات التي ما تزال قائمة، ومدى قدرة مختلف المتدخلين على الاستجابة لحاجيات السكان.
فالمسؤولية الإدارية لا تُقاس فقط بعدد الاجتماعات والزيارات والبلاغات، ولا بحجم الوعود التي تُعلن في المناسبات، وإنما بما يتحقق على الأرض من تحسن في الخدمات، وخلق للفرص، ومعالجة للاختلالات، واستعادة لثقة المواطن في المؤسسات. وكلما اتسعت المسافة بين انتظارات السكان والنتائج الملموسة، ازدادت الحاجة إلى المكاشفة وتقييم الحصيلة بعيدًا عن منطق التبرير.
في خريبكة، لا يتعلق الأمر برفاهية استثنائية، بل بحقوق أساسية، يريد المواطن عملًا يحفظ كرامته، ومدرسة تمنح أبناءه فرصة حقيقية للنجاح، ومرفقًا صحيًا يطمئنه بدل أن يزيد من مخاوفه، وشابًا يجد أمامه أفقًا داخل وطنه بدل أن يضطر إلى البحث عن مستقبله بعيدًا عن مدينته وأسرته.
ويريد أيضًا إدارة تنصت إليه قبل أن يتحول التذمر إلى احتجاج، ومسؤولين يضعون الإنسان في صلب أولوياتهم، ويقيسون نجاح السياسات بما تحدثه من تغيير في حياة الناس، لا بما تحققه من حضور إعلامي أو أرقام معزولة عن الواقع الاجتماعي.
ولعل الأخطر من مظاهر الهشاشة نفسها أن يعتاد المواطن عليها، وأن يتعلم إخفاء حاجاته، وأن يتردد في طلب المساعدة خشية أن يُنظر إليه باعتباره عبئًا على الآخرين، حين يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، تصبح التنمية مطالبة بأكثر من توفير الخدمات؛ تصبح مطالبة بإعادة الاعتبار للكرامة الإنسانية، وبناء منظومة لا يُجبر فيها أحد على الاختيار بين العلاج والطعام، أو بين تعليم أبنائه وتوفير ضروريات البيت.
ومن هنا، فإن تقييم الأداء المحلي بخريبكة ينبغي أن ينطلق من أسئلة واضحة: ما الذي تغير فعلًا في حياة السكان؟ ما حصيلة المشاريع التي أُعلن عنها؟ كيف يجري التعامل مع مطالب الأحياء والجماعات التي تعاني من نقص الخدمات؟ وما مدى التنسيق بين السلطات الترابية والمنتخبين والمصالح الخارجية والفاعلين الاقتصاديين من أجل معالجة الإشكالات المتراكمة؟
إنها أسئلة مشروعة لا تستهدف شخصًا لذاته، ولا تنتقص من دور أي مؤسسة، بل تضع المسؤولية العمومية في إطارها الطبيعي: خدمة المواطن وتحقيق الصالح العام، فالمناصب الإدارية، مهما علت، تظل تكليفًا مرتبطًا بالنتائج، وأي حصيلة ينبغي أن تكون قابلة للنقاش والتقييم والمساءلة.
ولا يمكن اختزال مستقبل خريبكة في حجم ثروتها الفوسفاطية أو في موقعها داخل الخريطة الاقتصادية للمملكة، فالثروة الحقيقية لأي مدينة تبدأ من الإنسان، من فرصته في العيش الكريم، ومن حقه في الخدمات الأساسية، ومن شعوره بأن صوته مسموع وأن مستقبله ليس أقل أهمية من الأرقام والمؤشرات الاقتصادية.
ومع ذلك، لا تزال هناك مساحة للأمل، لأن خريبكة ليست مجرد قصة انتظارات مؤجلة، بل مدينة بأبنائها وكفاءاتها وطاقاتها وقدرتها على النهوض. غير أن هذا الأمل يحتاج إلى سياسات واضحة، وبرامج قابلة للقياس، وآليات للتتبع والمحاسبة، وإرادة جماعية تجعل المواطن نقطة الانطلاق والغاية النهائية لكل مشروع تنموي.
إن المغرب الذي يتطلع إليه المواطنون ليس وطنًا بلا تحديات أو فوارق اجتماعية، بل وطن لا يُترك فيه الفقير وحيدًا، ولا يُهمَّش فيه الشاب، ولا يشعر فيه العامل بأن كرامته مهددة، ولا يتحول فيه التقاعد إلى مصدر قلق، ولا يصبح فيه المرض عبئًا يفوق قدرة الأسرة على الاحتمال.
وفي نهاية المطاف، لا تكمن قوة الأوطان فيما تختزنه أرضها من معادن، ولا فيما تمتلكه من مؤهلات طبيعية واقتصادية فحسب، بل في قدرتها على تحويل هذه الإمكانات إلى فرص عادلة وحياة كريمة لمواطنيها.
ومن هذا المنطلق، فإن الرهان المطروح أمام التدبير الترابي بخريبكة، بمختلف مؤسساته ومتدخليه، ليس إنتاج خطاب جديد عن التنمية، بل تقديم أجوبة عملية عن أسئلة السكان، والانتقال من تدبير الانتظارات إلى تحقيق النتائج، ومن التواصل المناسباتي إلى الإنصات المستمر، ومن إعلان المشاريع إلى قياس أثرها الفعلي.
فالمواطن لا يطلب امتيازات استثنائية، ولا ينتظر أكثر من حقه في مدينة توفر له شروط العيش الكريم. وتلك ليست رفاهية، ولا مطلبًا قابلًا للتأجيل إلى أجل غير مسمى، بل حق أساسي ينبغي أن يكون في صلب كل مسؤولية عمومية.