العلاقة بين السياسي والإداري هي العمود الفقري لصناعة التنمية المحلية

حسون عبدالعالي

حسون عبدالعالي
لم يعد تقييم السياسة العمومية المحلية مرتبطًا بمجرد وجود برامج عمل ومخططات أو بعدد المشاريع المبرمجة والمنجزة ، بل بقدرتها على تحويل الاختيارات العامة إلى نتائج ملموسة وآثار تنموية قابلة للقياس. فالممارسة الترابية تكشف عن فجوة بين القرار والإنجاز، تجعل من فعالية السياسة العمومية رهينة بقدرة الجماعة على الانتقال من إنتاج البرامج إلى صناعة القرار القابل للتنفيذ .
وتبدأ هذه الإشكالية من التخطيط نفسه ، فالبرنامج المحلي يفترض أن يكون ترجمة لتشخيص الحاجات وترتيب الأولويات وربطها بالإمكانات المتاحة، غير أن الواقع قد يعرف إدراج مشاريع لا تستند دائمًا إلى تقدير دقيق للموارد المالية والعقارية والبشرية أو إلى دراسة كافية لشروط إنجازها ، وعندما ينفصل الطموح البرنامجي عن القدرة الفعلية على الإنجاز، تصبح مرحلة التنفيذ محكومة منذ البداية بإكراهات كان يمكن توقعها ومعالجتها أثناء إعداد السياسة العمومية.
إن العامل الأكثر حساسية في هذه العملية يتمثل في العلاقة الجدلية بين السياسي والإداري، فالمنتخبون يملكون مشروعية الاختيار وتحديد الأولويات، بينما تتولى الإدارة تحويل هذه الاختيارات إلى إجراءات ودراسات وصفقات ومشاريع قابلة للإنجاز. وهذه العلاقة لا تقوم على الفصل التام بين الطرفين، وإنما على التفاعل المستمر بين القرار السياسي والخبرة الإدارية. فالسياسي يحتاج إلى الإدارة لتقدير قابلية القرار للتنفيذ، والإدارة تحتاج إلى توجيه سياسي واضح ومستقر حتى تتمكن من تنفيذ الاختيارات في إطار مؤسساتي منضبط.
وتظهر الإشكالية عندما يتحول هذا التفاعل إلى انفصال أو توتر. فقد تفرض الاعتبارات السياسية أحيانًا مشاريع أو أولويات لا تتناسب مع الإمكانات الواقعية أو مع ترتيب الحاجات، بينما قد تميل الإدارة، بحكم مسؤوليتها القانونية والتقنية، إلى التحفظ أمام قرارات تحتاج إلى شروط أو مساطر أو موارد غير متوفرة. وفي الاتجاه المقابل، فإن تضخم الدور الإداري أو بطء المساطر قد يؤدي إلى إفراغ الاختيار السياسي من مضمونه وتأخير تنفيذه. لذلك فإن ضعف الفعالية لا يمكن تفسيره دائمًا بإرادة سياسية غير كافية أو بإدارة بطيئة، بل ينبغي النظر إليه باعتباره نتيجة محتملة لاختلال العلاقة بين من يقرر ومن ينفذ.
وتزداد هذه العلاقة تعقيدًا عندما لا تكون المسؤوليات محددة بصورة عملية. فإذا اعتبر المنتخب أن مهمته تنتهي عند اتخاذ القرار، واعتبرت الإدارة أن مسؤوليتها تقتصر على تنفيذ ما صدر إليها، فقد تنشأ فجوة بين القرار والنتيجة. أما السياسة العمومية الفعالة فتفترض أن يشارك الطرفان، كل في حدود اختصاصه، في مختلف مراحلها: السياسي في تحديد الغايات والأولويات، والإدارة في اختبار قابليتها للتنفيذ واقتراح الوسائل وتتبع الإنجاز، ثم يعود القرار السياسي لتقييم النتائج وتصحيح الاختيارات عند الحاجة.
ولا تنفصل هذه العلاقة عن تعدد المتدخلين في المجال الترابي. فالمشاريع الكبرى غالبًا ما تتجاوز القدرة المباشرة للجماعة، وتحتاج إلى تعاون الدولة والمؤسسات العمومية والمجالس الترابية والقطاع الخاص. وإذا لم يواكب القرار السياسي هذا التعدد بتنسيق مؤسساتي واضح، قد تتوزع المسؤوليات ويتأخر التنفيذ. كما أن الإدارة المحلية قد تجد نفسها مطالبة بتنسيق تدخلات لا تملك سلطة فعلية على جميع أطرافها، مما يفرض اعتماد آليات تعاقدية وتنسيقية أكثر وضوحًا.
وتكشف الممارسة كذلك عن مشكلة أخرى تتمثل في اتساع الفارق بين حجم الالتزامات وحجم القدرة المؤسساتية على الوفاء بها. فبرمجة عدد كبير من المشاريع لا تعني بالضرورة امتلاك الوسائل المالية والبشرية والتقنية لتنفيذها. ومن ثم، فإن الواقعية في السياسة العمومية تقتضي أن تكون البرمجة انعكاسًا لقدرة المؤسسة، لا مجرد تعبير عن سقف الطموحات. ويصبح ترتيب الأولويات، في هذا السياق، جزءًا من المسؤولية السياسية، كما تصبح قابلية التنفيذ جزءًا من المسؤولية الإدارية.
أما تقييم السياسة العمومية فلا ينبغي أن يتوقف عند معرفة ما إذا كان المشروع قد أنجز أو الاعتماد قد صرف، بل يجب أن يتجه إلى قياس أثره ومدى تحقيقه للهدف الذي برر إدراجه. فالتأخر أو إعادة البرمجة أو ارتفاع الكلفة أو ضعف الاستفادة قد تكشف عن خلل في التشخيص أو الاختيار أو التنسيق أو التنفيذ. ولذلك يمثل التقييم مجالًا آخر تتقاطع فيه المسؤولية السياسية والإدارية: فالسياسي مسؤول عن الاختيارات والأولويات، والإدارة مسؤولة عن شروط تنفيذها وتتبعها، والنتيجة النهائية تكشف مدى نجاح العلاقة بين الطرفين.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد