ردا على بوق العسكر الجزائري… المغرب ليس مسرحية ومن عجز عن فهم قوة المؤسسات المغربية اختار السخرية بديلاً عن السياسة
بوشعيب نجار
بوشعيب نجار
حين تتحول وكالة_الأنباء_الجزائرية الرسمية عفوا العسكرية إلى منصة للهجوم على المؤسسات المغربية، فذلك لا يعكس قوة الحجة بقدر ما يكشف حجم الارتباك أمام نموذج مغربي اختار تدبير قضاياه الوطنية بمنطق الدولة والمؤسسات.
يبدو أن بعض الأقلام الإعلامية الجزائرية لم تعد تجد ما تقوله أمام التطورات المتسارعة في ملف الصحراء المغربية، سوى العودة إلى أسطوانة التشكيك في المؤسسات الدستورية للمملكة، ومحاولة تصوير كل تحرك سياسي أو مؤسساتي مغربي باعتباره مسرحية أو مشهداً هزلياً.
آخر فصول هذا الخطاب ما نشرته وكالة الأنباء الجزائرية تحت عنوان ساخر من البرلمان المغربي، في محاولة مكشوفة للنيل من صورة المؤسسات الوطنية، والزج بأسماء وشخصيات في نقاش يراد له أن يتحول من نقاش سياسي ودبلوماسي إلى حملة تهكمية لا تخدم الحقيقة ولا تنسجم مع أبجديات العمل الإعلامي المسؤول.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل أصبحت السخرية من المؤسسات المغربية بديلاً عن مواجهة الوقائع السياسية والدبلوماسية بالحجة والوثيقة؟
أولاً، المغرب ليس دولة بلا مؤسسات كما تحاول بعض الدعاية تصويره. المملكة تتوفر على دستور ينظم اختصاصات المؤسسة الملكية والحكومة والبرلمان، ويحدد العلاقات بينها في إطار فصل السلط وتوازنها وتعاونها. والبرلمان المغربي بغرفتيه، مجلس النواب ومجلس المستشارين، مؤسسة دستورية قائمة، لها اختصاصات تشريعية ورقابية وتقييمية، وليست ديكوراً سياسياً كما تزعم الرواية الجزائرية.
ثانياً، إن انعقاد البرلمان لمناقشة قضية وطنية استراتيجية، أو الاستماع إلى توضيحات بشأن تطورات دبلوماسية، لا يحتاج إلى اختراع مسرحية أو البحث عن مخرج سينمائي. إنه سلوك مؤسساتي طبيعي يعكس أهمية القضية الوطنية، ويؤكد أن ملف الصحراء المغربية ليس موضوعاً محصوراً في الخطاب الدبلوماسي، بل قضية وطنية تتفاعل معها مؤسسات الدولة والمجتمع بمختلف مكوناته.
أما محاولة ربط كل قرار مغربي بشخصيات بعينها، وتصوير المؤسسات الدستورية وكأنها تتحرك وفق سيناريوهات خفية، فهي ليست تحليلاً سياسياً، بل مجرد فرضيات لا تسندها أدلة.
والأكثر إثارة للاستغراب أن الخطاب الذي يطالب #المغرب بالديمقراطية والشفافية، يلجأ في الوقت نفسه إلى لغة التخوين والتجريح والتقليل من شأن المؤسسات، بدل تقديم قراءة موضوعية للنصوص الدستورية والوقائع السياسية.
أما قضية الصحراء_المغربية، فهي أكبر من أن تختزلها وكالة أنباء عسكرية مخابراتية في عناوين ساخرة أو أن تحسمها حملات التضليل الإعلامي. إنها قضية وطنية تتطلب نفساً دبلوماسياً طويلاً، وتراكم المواقف الدولية، والدفاع المستمر عن مبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية ووحدة التراب الوطني.
ومن حق أي جهة إعلامية أن تنتقد الموقف المغربي أو تناقش قرارات مؤسساته، لكن ليس من حقها أن تقدم ادعاءات غير مثبتة باعتبارها حقائق، أو أن تخلط بين النقد السياسي والتشويه المتعمد.
إن المغرب، بمؤسساته وتاريخه واختياراته الدستورية، لا يحتاج إلى شهادة حسن سلوك من وكالة أنباء أجنبية، كما أن قوة الدول لا تقاس بحدة عناوينها الإعلامية، وإنما بقدرتها على بناء المؤسسات وصيانة الاستقرار والدفاع عن مصالحها الاستراتيجية.
ولمن يصر على وصف التحركات المؤسساتية المغربية بالمسرحية، نقول: ليست المشكلة في وجود برلمان يناقش قضايا الوطن، بل في عقلية لم تستوعب بعد أن المغرب يدبر قضاياه بمنطق الدولة، لا بمنطق السجال الدعائي.
المغرب أكبر من حملات التشويش، والصحراء المغربية ليست مادة للتندر، والوطن الذي يجمع أبناءه حول قضاياه المصيرية لا تهزه مقالات ساخرة مهما ارتفع ضجيجها.
– بوشعيب نجار صحفي وباحث في الشؤون السياسية والقانونية