25 مليون درهم لأكاديمية يعقوب المنصور.. الكنبوري يفتح ملف تضارب المصالح وتوزيع المال العام

هبة زووم – الرباط
أعاد تخصيص اعتماد مالي بقيمة 25 مليون درهم لإحداث أكاديمية لكرة القدم تابعة لنادي اتحاد يعقوب المنصور، إلى الواجهة النقاش حول حدود تضارب المصالح داخل الحكومة، ومعايير توزيع الدعم العمومي بين الأندية الرياضية، خاصة أن النادي يرأسه محمد المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل، وهو ما دفع الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري إلى توجيه انتقادات حادة لما اعتبره تداخلاً مقلقاً بين المسؤولية الحكومية والمصالح المرتبطة بالانتماء الحزبي والرياضي.
وفي تدوينة نقدية، طرح الكنبوري تساؤلات مباشرة حول طبيعة العلاقة بين الحزب والمسؤولية الحكومية، متسائلاً عما إذا كان حزب الأصالة والمعاصرة قد أصبح يمتلك نفوذاً يسمح له بالتصرف في موارد الدولة خارج الضوابط المفترضة لتدبير المال العام، واعتبر أن تخصيص هذا الغلاف المالي، بالتزامن مع النقاش الحكومي والبرلماني حول الدعم الاجتماعي ومعايير الاستفادة منه، يثير مفارقة تستحق المساءلة السياسية والمؤسساتية.
وتكتسب القضية حساسيتها من كون المشروع موجهاً إلى نادٍ يرأسه وزير يشرف في الوقت نفسه على القطاع الحكومي المكلف بالرياضة، الأمر الذي يضع مسألة الفصل بين المسؤولية العمومية والارتباطات الرياضية أمام اختبار حقيقي. فالمسألة، وفق جوهر الانتقادات التي أثارها الكنبوري، لا تتعلق برفض الاستثمار في تكوين الشباب أو تطوير البنية التحتية الرياضية، وإنما بضرورة ضمان الشفافية وتكافؤ الفرص، وتوضيح المعايير التي تجعل مشروعاً بعينه يستفيد من تمويل عمومي بهذا الحجم.
وتشير المعطيات المنشورة بشأن المشروع إلى أن أكاديمية يعقوب المنصور سبق أن أدرجت ضمن اتفاقية صادق عليها مجلس جهة الرباط سلا القنيطرة في مارس 2023، بغلاف مالي إجمالي قدره 100 مليون درهم، موزع بين مساهمة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، ومجلس الجهة، والقطاع الحكومي المكلف بالرياضة، كما أفادت تقارير إعلامية بأن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يتضمن برمجة مساهمة الوزارة بقيمة 25 مليون درهم، وهي الحصة التي ظلت، بحسب المصادر نفسها، تنتظر التسوية.
وبذلك، فإن النقاش لا ينبغي أن يختزل في رقم 25 مليون درهم وحده، بل يتعين أن يمتد إلى طبيعة المشروع، ومسار اتخاذ القرار بشأنه، والجهات التي ساهمت في برمجته، ومدى احترام قواعد الحكامة وتدبير تضارب المصالح، كما أن إدراج الاعتماد في مشروع قانون المالية لا يعني أن المبلغ وُضع في الحساب الشخصي للوزير، بل يتعلق بتمويل مشروع رياضي محدد، وهو تمييز ضروري حتى لا تختلط الوقائع بالاستنتاجات السياسية.
غير أن هذا التوضيح لا يلغي مشروعية الأسئلة المطروحة: ما المعايير الموضوعية التي اعتمدت لاختيار هذا النادي ومشروعه؟ وهل خضعت عملية البرمجة لتقييم مستقل؟ وما الضمانات التي تحول دون تأثير موقع رئيس النادي داخل الحكومة على مسار الحصول على الدعم؟ ثم أين تقف قواعد تكافؤ الفرص بين الأندية، خصوصاً تلك التي تشتغل في ظروف مالية صعبة وتحتاج بدورها إلى بنية تحتية للتكوين؟
وقد انتقلت هذه الأسئلة من مستوى الجدل السياسي والإعلامي إلى المؤسسة التشريعية، بعدما طالب النائب البرلماني عبد الصمد حيكر، عن حزب العدالة والتنمية، بتوضيح حيثيات برمجة التمويل والمعايير المعتمدة، مستحضراً ارتباط الأكاديمية بنادٍ يرأسه عضو في الحكومة، ومثيراً كذلك مسألة التمويلات العمومية الأخرى المحتملة للمشروع.
ومن زاوية أوسع، ربط الكنبوري هذا الملف بما اعتبره اختلالاً في ترتيب الأولويات الحكومية، منتقداً ما وصفه بالتناقض بين تشديد النقاش حول شروط استفادة الأسر من الدعم الاجتماعي، وبين تخصيص اعتمادات مالية مهمة لمشاريع رياضية ترتبط بمسؤولين سياسيين، كما استحضر قضية المديونية، معتبراً أن الاقتراض العمومي يصبح أكثر إثارة للقلق عندما لا يقترن بوضوح كافٍ في أوجه الإنفاق ومردوديته الاجتماعية والاقتصادية.
ولم يتوقف الباحث عند حدود ملف الأكاديمية، بل وسّع انتقاده ليشمل ما سماه «سياسة الصاك»، في إحالة ساخرة إلى ما يراه من تغليب لمنطق المصالح والامتيازات على حساب انتظارات المواطنين، وهي عبارة تعكس حدة موقفه السياسي، لكنها تضع في المقابل سؤالاً مؤسساتياً لا يمكن تجاهله: كيف يمكن إقناع المواطن بعدالة توزيع المال العام إذا لم تكن معايير الدعم والتمويل واضحة وقابلة للمراقبة والمحاسبة؟
إن الاستثمار في الرياضة وتكوين الناشئة يظل هدفاً مشروعاً، بل حاجة تنموية لا خلاف حولها، لكن مشروعيته لا تعفيه من الخضوع لقواعد الشفافية وتكافؤ الفرص، فالأموال المرصودة من الميزانية العامة ليست ملكاً لحزب أو وزير أو نادٍ، وإنما موارد عمومية يفترض أن توزع وفق معايير معلنة ومصلحة عامة قابلة للتقييم.
ومن هنا، فإن الجواب عن الانتقادات الموجهة إلى مشروع أكاديمية يعقوب المنصور لا ينبغي أن يكون بالاكتفاء بالدفاع عن أهميته الرياضية، بل بنشر الاتفاقيات والوثائق المالية، وتحديد مساهمة كل طرف، والكشف عن مسطرة اختيار المشروع، وتوضيح آليات الحكامة التي تضمن عدم استغلال المسؤولية الحكومية لخدمة أي ارتباط خاص.
فحين يتعلق الأمر بالمال العام، لا تكفي النوايا المعلنة ولا الشعارات الرياضية؛ المطلوب هو الوضوح، وتكافؤ الفرص، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد