هبة زووم – الرباط
تضع الأرقام الواردة في مشروع قانون المالية لسنة 2027 سياسة دعم المواد الأساسية بالمغرب أمام اختبار جديد، بعدما حددت الحكومة الغلاف المالي المخصص للمقاصة في 19.4 مليار درهم، مقابل 22 مليار درهم بعد تعزيز الاعتمادات المخصصة لها خلال سنة 2026، وهو ما يعني تراجعاً بقيمة 2.6 مليار درهم، أي بنحو 11.8 في المائة.
ويعيد هذا الفارق المالي إلى الواجهة أسئلة بشأن مستقبل دعم غاز البوتان والسكر والدقيق الوطني للقمح اللين، ومدى قدرة الحكومة التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري على ضمان استقرار أسعار هذه المواد وحماية القدرة الشرائية للأسر، في سياق اقتصادي لا تزال فيه تكاليف المعيشة تشكل أحد أبرز مصادر القلق الاجتماعي.
ورغم أن انخفاض الاعتمادات المرصودة لا يعني بالضرورة اتخاذ قرار برفع الدعم، فإن حجم التراجع يستدعي توضيحات حكومية بشأن الفرضيات التي بُنيت عليها البرمجة المالية الجديدة، وما إذا كانت تعكس توقعات بانخفاض كلفة الدعم أم مراجعة محتملة للموارد المخصصة له.
2.6 مليار درهم أقل.. ماذا وراء تراجع ميزانية المقاصة؟
تكشف المقارنة بين الغلاف المالي المعزز للمقاصة خلال سنة 2026، والبالغ 22 مليار درهم، والمبلغ المقترح لسنة 2027، والمحدد في 19.4 مليار درهم، عن تراجع يقدر بنحو 11.8 في المائة.
ويطرح هذا الفرق سؤالاً جوهرياً حول الأسباب التي دفعت الحكومة إلى اعتماد غلاف مالي أقل، رغم استمرار الحاجة إلى دعم المواد الأساسية التي يعتمد عليها ملايين المغاربة في حياتهم اليومية.
فميزانية المقاصة تتأثر بعوامل متعددة، من بينها أسعار المواد في الأسواق الدولية، وتكاليف الاستيراد، وسعر الصرف، ومستويات الاستهلاك، وحجم الدعم المخصص لكل مادة. لذلك، فإن تقييم التراجع المسجل يقتضي الاطلاع على الفرضيات الاقتصادية التي اعتمدتها الحكومة، وتحديد ما إذا كانت تتوقع انخفاضاً في كلفة الدعم أو تراهن على عوامل أخرى لتقليص النفقات.
لكن ما لا يمكن تجاوزه هو ضرورة تقديم توضيحات دقيقة للرأي العام بشأن خلفيات هذا التقليص، خصوصاً أن الأمر يتعلق بمواد أساسية يرتبط استقرار أسعارها مباشرة بالقدرة الشرائية للأسر.
غاز البوتان.. دعم يتجاوز 61 درهماً للقنينة
تكتسي وضعية غاز البوتان أهمية خاصة في هذا النقاش، بعدما أظهرت المعطيات الواردة في المذكرة التقديمية لمشروع قانون المالية أن متوسط الدعم الممنوح عن كل قنينة من فئة 12 كيلوغراماً بلغ 61.79 درهماً خلال الفترة الممتدة من يناير إلى غشت 2026، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 15.75 في المائة على أساس سنوي.
ويبرز هذا الرقم حجم الكلفة التي تتحملها الدولة للمساهمة في الحفاظ على السعر المدعوم لهذه المادة، كما يكشف عن مدى تأثر نفقات المقاصة بتطورات الأسواق الدولية.
ومن هنا، يبرز السؤال: كيف ستتمكن الحكومة من تدبير ميزانية أقل للمقاصة خلال سنة 2027، في ظل استمرار دعم غاز البوتان، إذا لم تنخفض كلفة الدعم أو تتغير بعض الفرضيات التي يقوم عليها احتسابها؟
وهل تتوقع الحكومة تراجع الأسعار الدولية بما يسمح لها بتقليص النفقات دون المساس بمستوى الدعم الموجه إلى المستهلكين؟ أم أن هناك مراجعات أخرى يجري التفكير فيها؟
هذه الأسئلة لا تعني أن قرار رفع الدعم أصبح وشيكاً، لكنها تفرض على الحكومة توضيح تصورها بشأن مستقبل هذه المادة، بالنظر إلى أهميتها في ميزانيات الأسر، خصوصاً ذات الدخل المحدود.
السكر والدقيق.. هل تكفي الاعتمادات لضمان استقرار الأسعار؟
وبخصوص الدقيق الوطني للقمح اللين، تؤكد المذكرة التقديمية مواصلة دعم أسعاره، مشيرة إلى أن تراجع الأسعار الدولية للقمح اللين أتاح الإبقاء على كلفة الاستيراد دون السعر المستهدف المحدد في 270 درهماً للقنطار.
وتوضح هذه المعطيات أن تراجع الأسعار الدولية يمكن أن يخفف الضغط على ميزانية المقاصة، بما يسمح نظرياً بتقليص الاعتمادات دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى رفع الأسعار في السوق الداخلية.
غير أن السؤال المطروح يظل مرتبطاً بمدى استدامة هذه الظروف، خصوصاً أن الأسواق الدولية تظل عرضة للتقلبات التي قد تغير كلفة الاستيراد خلال السنة المالية.
أما بالنسبة إلى السكر، فإن تقييم انعكاس تقليص الغلاف الإجمالي للمقاصة يقتضي معرفة حصة هذه المادة من الاعتمادات المرصودة، ومدى كفاية المبلغ المخصص لها لضمان استمرار الدعم.
ومن دون توزيع مفصل للاعتمادات بحسب المواد المستفيدة، يصعب تحديد ما إذا كان التراجع المعلن سيؤثر على مادة دون أخرى، أو أنه يستند أساساً إلى توقعات بانخفاض الكلفة الإجمالية للدعم.
دعم الكهرباء.. إجراء اجتماعي يحتاج إلى تقييم أثره
وفي سياق الإجراءات الرامية إلى حماية القدرة الشرائية، تتضمن المذكرة التقديمية لمشروع قانون المالية لسنة 2027 تدبيراً يقضي بتحمل الدولة مبلغ فاتورة الكهرباء الشهرية التي تقل عن أو تساوي 100 درهم، بهدف التخفيف من نفقات الكهرباء على الأسر المعنية.
ويطرح هذا الإجراء أسئلة بشأن شروط الاستفادة منه، وعدد الأسر المستهدفة، والكلفة المالية الإجمالية التي ستتحملها الدولة، ومدى انعكاسه الفعلي على ميزانيات الأسر.
فمن جهة، يمكن لهذا التدبير أن يوفر دعماً مباشراً للأسر التي تستوفي شروطه. ومن جهة أخرى، فإن أثره يظل مرتبطاً بنطاق الاستفادة منه، ولا يمكن اعتباره تعويضاً شاملاً عن أي تغيير محتمل في دعم غاز البوتان أو السكر أو الدقيق.
وبالتالي، فإن تقييم السياسة الاجتماعية للحكومة ينبغي ألا يقتصر على عدد التدابير المعلن عنها، بل يجب أن يشمل قيمتها المالية الفعلية، والفئات التي تستفيد منها، ومدى قدرتها على الحد من آثار ارتفاع تكاليف المعيشة.
القدرة الشرائية في مواجهة الحسابات المالية
إن تراجع مخصصات المقاصة من 22 مليار درهم خلال سنة 2026، بعد تعزيز الاعتمادات، إلى 19.4 مليار درهم في مشروع قانون المالية لسنة 2027، لا يكفي وحده للجزم بأن الحكومة تستعد لرفع الدعم عن المواد الأساسية، لكنه يفتح نقاشاً ضرورياً حول أولويات الإنفاق العمومي والضمانات الاجتماعية المصاحبة لها.
وأمام هذا المعطى، تنتظر الأسر المغربية أجوبة واضحة عن عدد من الأسئلة: ما الأسباب الدقيقة وراء تقليص الغلاف المالي؟ وكيف ستوزع الاعتمادات بين غاز البوتان والسكر والدقيق؟ وهل تستند الحكومة إلى توقعات بانخفاض الأسعار الدولية؟ وما التدابير التي ستعتمدها إذا ارتفعت كلفة الاستيراد خلال السنة المقبلة؟
كما يظل مطلوباً توضيح مدى ارتباط هذا التراجع بأي توجه لتغيير نظام الدعم، مع نشر المعطيات التي تسمح بتقييم الأثر المحتمل على أسعار المواد الأساسية.
فالرهان الحقيقي لا يكمن فقط في ضبط نفقات المقاصة، بل في تحقيق التوازن بين استدامة المالية العمومية وحماية القدرة الشرائية للمواطنين. وأي مراجعة للسياسة الحالية ينبغي أن تكون واضحة ومعلنة، وأن تستند إلى معطيات دقيقة، مع مراعاة أوضاع الفئات الأكثر هشاشة.
وفي انتظار تقديم الحكومة توضيحاتها، تبقى ميزانية المقاصة لسنة 2027 موضوعاً يستحق النقاش والمساءلة، ليس لأن انخفاض الاعتمادات يثبت حتمية رفع الدعم، بل لأن المواطنين من حقهم معرفة الأسس التي بُنيت عليها هذه الأرقام، والضمانات التي ستكفل استمرار دعم المواد الأساسية واستقرار أسعارها.
تعليقات الزوار