الكنبوري: هل تُمنح حكومة المنصوري فرصة لتلميع صورة “البام” أم لتغيير قواعد اللعبة السياسية؟

هبة زووم – الرباط
أعاد الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري فتح النقاش حول الخلفيات السياسية للحكومة التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري، من خلال تدوينة قدم فيها قراءة نقدية لمسار تشكل الأغلبية الحكومية، وتوقع أن تتجه الحكومة إلى تقديم بعض المنجزات الاجتماعية، مقابل استبعاد إحداث اختراق ملموس في ملفات محاربة الفساد والإثراء غير المشروع والتصريح بالممتلكات.
الكنبوري، الذي استهل تدوينته بالتأكيد على أن تقديره قد يكون خاطئاً، اعتبر أن الوعود التي جرى الترويج لها بشأن التقاعد والحد الأدنى للأجور والغلاء، ومن بينها ما ورد في مداخلة وزير الاقتصاد والمالية فوزي لقجع أمام البرلمان، قد لا تكون مجرد إجراءات اجتماعية معزولة، بل يمكن قراءتها أيضاً في سياق سياسي أوسع يرتبط بمحاولة حزب الأصالة والمعاصرة تعزيز موقعه داخل المجتمع وبناء مشروعية سياسية أوسع.
في قراءته، يذهب الكنبوري إلى أن الحكومة قد تجد المجال متاحاً لتنزيل بعض الإجراءات الاجتماعية، بما يسمح لها بتقديم حصيلة إيجابية للمغاربة، خصوصاً في ملفات تحظى بحساسية كبيرة لدى الرأي العام، مثل المعاشات والأجور والقدرة الشرائية.
ويربط الباحث هذا الاحتمال بما يعتبره حاجة حزب الأصالة والمعاصرة إلى تجاوز الجدل الذي رافق نشأته ومساره السياسي، وتوسيع قاعدة القبول به مجتمعياً، وهي قراءة تضع الوعود الاجتماعية في تقاطع بين متطلبات الاستجابة للحاجات المعيشية وبين حسابات بناء الشرعية السياسية.
غير أن تقييم هذه الفرضية سيظل رهيناً بما ستكشف عنه القرارات الحكومية الفعلية، وحجم المستفيدين منها، وقيمتها الحقيقية في مواجهة التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، فضلاً عن مدى تنفيذها داخل الآجال المعلنة.
ومن أبرز النقاط التي توقف عندها الكنبوري، دلالة مشاركة الأحزاب التي ارتبطت تاريخياً بتجربة الكتلة الديمقراطية في الحكومة الحالية، معتبراً أن دخولها إلى جانب حزب الأصالة والمعاصرة يتجاوز، في تقديره، مجرد المشاركة في تدبير الشأن العام، ليأخذ شكل نوع من التطبيع السياسي معه وإضفاء قبول أوسع على تجربته.
ويذهب الباحث إلى أن هذه المشاركة تندرج ضمن إعادة ترتيب أوسع للمشهد السياسي، تستهدف تشكيل حكومة قادرة على تدبير مرحلة دقيقة، مستحضراً أوجه شبه بينها وبين تجربة التناوب التوافقي في نهاية التسعينيات، حين جرى إشراك قوى حزبية تاريخية في صيغة حكومية ذات دلالات سياسية تتجاوز توزيع الحقائب الوزارية.
كما يرى الكنبوري أن البرنامج الحكومي يعكس، بحسب قراءته، حضوراً بارزاً لتوجهات حزب الأصالة والمعاصرة، مقابل توزيع حقائب يعتبرها أقل تأثيراً على بقية مكونات الأغلبية. وهي أطروحة تفتح باب النقاش حول طبيعة التوازنات داخل الحكومة، ومدى انعكاسها على تحديد الأولويات وصناعة القرار.
في المقابل، يتوقع الكنبوري ألا تحقق الحكومة تقدماً جوهرياً في ملفات محاربة الفساد والإثراء غير المشروع والتصريح بالممتلكات، معتبراً أن المواجهة الفعلية للفساد قد تصطدم، في تقديره، بتشابك المصالح داخل المنظومة السياسية وبالكلفة التي قد تترتب عن فتح ملفات تمس أطرافاً متعددة.
ويذهب أبعد من ذلك حين يربط محدودية الإصلاح المحتمل بما يصفه بتداخل مصالح بعض الفاعلين السياسيين مع اقتصاد الفساد، وبمخاوف من انعكاسات أي مواجهة واسعة على صورة المشهد الحزبي والمؤسساتي.
وتظل هذه الاستنتاجات جزءاً من قراءة الباحث السياسية، وليست في حد ذاتها إثباتاً لوجود فساد لدى حزب أو مؤسسة بعينها. غير أنها تثير أسئلة تستحق النقاش بشأن مدى استعداد الحكومة لترجمة خطاب النزاهة والشفافية إلى إجراءات قابلة للقياس، من قبيل تعزيز آليات مراقبة تضارب المصالح، وتفعيل قواعد التصريح بالممتلكات، وتطوير الرقابة على تدبير المال العام، وضمان الشفافية في الصفقات والقرارات العمومية.
فالمعيار الحاسم لن يكون في الوعود المعلنة، بل في طبيعة التدابير التي ستعتمدها الحكومة، ومدى انتظام تطبيقها على الجميع دون انتقائية.
تخلص قراءة الكنبوري إلى أن الحكومة الجديدة قد تكون، في نظره، أقرب إلى صيغة لتدبير مرحلة سياسية دقيقة منها إلى مشروع لإعادة بناء قواعد الممارسة السياسية، مستنداً في ذلك إلى تركيبة الأغلبية، وموقع الأحزاب المشاركة فيها، وطبيعة الأولويات التي جرى إبرازها في البرنامج الحكومي.
لكن هذه الفرضية ستظل مفتوحة على الاختبار العملي. فنجاح الإجراءات الاجتماعية أو محدودية أثرها، والتقدم في مكافحة الفساد أو استمرار التعثر، كلها أمور لا يمكن حسمها مسبقاً، بل ينبغي قياسها من خلال القرارات والنتائج والمؤشرات المنشورة.
وتضع تدوينة الكنبوري، بهذا المعنى، الحكومة أمام سؤال مزدوج: هل ستتمكن من تحويل الوعود الاجتماعية إلى تحسن ملموس في ظروف عيش المواطنين؟ وهل ستواكب ذلك بإصلاحات تعزز الشفافية والمحاسبة، أم ستظل الملفات المرتبطة بالفساد والإثراء غير المشروع أقل حضوراً في أولوياتها؟
إن الإجابة لن تصنعها الخطابات وحدها، بل ستحددها حصيلة العمل الحكومي ومدى قدرة المؤسسات الرقابية والقضائية والبرلمانية على مساءلة المسؤولين، وترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد