هبة زووم – كلميمة
في قصور كلميمة، لا يبدو خطر انهيار المنازل الطينية مجرد احتمال عابر تفرضه تقلبات الطقس، بل تهديداً حقيقياً يضع سلامة السكان وممتلكاتهم أمام اختبار صعب، ويعيد إلى الواجهة أسئلة محرجة بشأن مدى جاهزية السلطات المحلية للتعامل مع ملف المباني الآيلة للسقوط.
فمع اقتراب موسم الأمطار، تتجدد المخاوف من تكرار مشاهد مؤلمة، تبدأ بتشققات في الجدران وتسرب المياه من الأسقف، وقد تنتهي بانهيار منزل وتشريد أسرة، قبل أن تبدأ الإجراءات الإدارية التي يفترض أن تسبق الكارثة لا أن تأتي بعدها.
وتثير هذه الوضعية تساؤلات حول أداء باشوية كلميمة ومدى اعتمادها مقاربة استباقية لحصر المنازل المهددة، خصوصاً داخل القصور التاريخية التي تشكل جزءاً من الذاكرة العمرانية والاجتماعية للمنطقة. فالمباني المشيدة بالطين والتبن والخشب تظل أكثر عرضة للتأثر بعوامل التعرية والرطوبة وتسربات المياه، كما قد تزيد هشاشتها بفعل غياب الصيانة والترميم أو بسبب أشغال بناء مجاورة لا تراعي خصوصيتها.
المشكلة لا تقف عند هشاشة هذه المنازل، بل تمتد إلى سؤال التدخل الإداري: هل توجد عملية منتظمة لإحصاء المباني المهددة وتصنيفها بحسب درجة الخطورة؟ وهل يجري التعامل بالسرعة اللازمة مع شكايات السكان الذين يخشون انهيار أسقف منازلهم أو تصدع جدرانها؟ ثم ما التدابير المتخذة لتأمين الأسر التي قد تجد نفسها في مواجهة خطر وشيك؟
إن الاكتفاء بالتدخل بعد وقوع الانهيار، إن ثبت في حالات بعينها، لا يمكن أن يشكل بديلاً عن الوقاية والتخطيط. فالمعاينة الميدانية المسبقة، وتحديد المنازل الأكثر خطورة، وتوجيه الإنذارات عند الاقتضاء، وتأمين الإيواء المؤقت للأسر المهددة، كلها إجراءات ينبغي أن تكون جزءاً من خطة واضحة، لا مجرد رد فعل ظرفي تفرضه صور الركام ونداءات المتضررين.
وفي هذا السياق، يطرح القانون رقم 94.12 المتعلق بالمباني الآيلة للسقوط وتنظيم عمليات التجديد الحضري إطاراً قانونياً للتدخل والوقاية، بما يشمل إجراءات المعاينة وتحديد المخاطر والتدابير اللازمة لحماية الأرواح، وهو ما يجعل من الضروري توضيح كيفية تفعيل مقتضياته محلياً، وما إذا كانت اللجان المختصة تقوم بمهامها بانتظام، وما الإجراءات المعتمدة بشأن المنازل التي تشكل خطراً على قاطنيها والمارة.
إن التعامل مع هذا الملف لا يمكن أن يظل محصوراً في تدخلات متفرقة، بل يستدعي تحركاً منسقاً بين باشوية كلميمة وجماعة كلميمة وعمالة إقليم الرشيدية، إلى جانب المصالح التقنية والجهات المختصة بالتجديد الحضري، وفق الاختصاصات القانونية لكل طرف.
وتبدأ الخطوة العملية بإعداد جرد ميداني شامل للمنازل المهددة، مع ترتيبها حسب مستوى الخطورة، وتحديد الأسر التي تحتاج إلى تدخل عاجل، ثم وضع برنامج زمني للتدخل يشمل التدعيم أو الترميم، حيث يكون ذلك ممكناً وآمناً، والإفراغ المؤقت عند الضرورة، مع البحث عن صيغ الدعم والتمويل المتاحة، كما تقتضي الشفافية نشر معطيات واضحة حول عدد المنازل التي جرى إحصاؤها، والحالات التي عولجت، والملفات التي ما تزال عالقة، وأسباب التأخر إن وجد.
ومن موقعها في تدبير الشأن المحلي، تجد السلطات المعنية نفسها أمام مسؤولية توضيح ما أُنجز وما لم يُنجز، بدل ترك الساكنة رهينة المخاوف والتخمينات. فحماية الأرواح لا ينبغي أن تنتظر انهيار سقف أو تشرد أسرة حتى تتحول إلى أولوية إدارية.
في قصور كلميمة، لا يتعلق الأمر بالحفاظ على مبانٍ قديمة فحسب، بل بحماية سكان يعيشون داخل فضاءات عمرانية لها خصوصيتها التاريخية والاجتماعية، وبمنع تحول هشاشة البناء إلى خطر يومي يهدد الأطفال والشيوخ وسائر الأسر.
ومن هنا، يصبح السؤال موجهاً إلى باشوية كلميمة وباقي المتدخلين: هل ستُطلق حملة استباقية جدية لحصر المنازل الآيلة للسقوط وتأمين الأسر المهددة قبل اشتداد التساقطات المطرية، أم سيظل التدخل رهين وقوع الانهيار وتحرير المحاضر بعد فوات الأوان؟
إن المطلوب ليس تبادل المسؤوليات ولا الاكتفاء بالوعود، بل خطة معلنة، وجدول زمني واضح، وتنسيق فعلي، ومحاسبة على أساس الاختصاص والنتائج. فالمعيار الحقيقي لنجاعة الإدارة ليس قدرتها على توثيق الكارثة بعد وقوعها، وإنما قدرتها على منعها حين تكون الوقاية ممكنة، فهل تتحرك باشوية كلميمة قبل أن تتحول المخاوف إلى مأساة جديدة؟
تعليقات الزوار