هبة زووم – الرشيدية
في الرشيدية، لم يعد ارتفاع الأسعار مجرد نقاش عابر حول تقلبات السوق، بل أصبح ملفاً يمس القدرة الشرائية للأسر ويطرح أسئلة مباشرة حول فعالية المراقبة التجارية، ومدى التصدي للممارسات التي قد تساهم في رفع الأسعار وإثقال كاهل المواطنين، خصوصاً الفئات محدودة الدخل.
وبينما تتعدد التفسيرات المرتبطة بارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والتخزين والاستيراد، يظل السؤال الجوهري مطروحاً: إلى أي حد تنجح آليات المراقبة في ضبط الاختلالات التجارية، وضمان المنافسة، والتصدي لكل أشكال الاحتكار والمضاربة متى ثبتت ممارستها؟
إن محاربة الغلاء لا يمكن أن تظل حبيسة التصريحات والوعود، ولا أن تختزل في حملات مراقبة موسمية تنتهي بانتهاء جولاتها الميدانية. المطلوب هو عمل مستمر يستند إلى معطيات دقيقة حول الأسعار وهوامش التوزيع، ويحدد المسؤوليات، ويكشف الاختلالات، ويرتب الآثار القانونية على المخالفات المثبتة.
الاحتكار تحت المجهر.. أين تنتهي تقلبات السوق وتبدأ الاختلالات؟
لا يمكن اعتبار كل ارتفاع في الأسعار دليلاً على وجود احتكار، كما لا يجوز اتخاذ تقلبات السوق وتكاليف الإنتاج ذريعة لتجاهل الممارسات التجارية غير المشروعة. وبين الأمرين، تبرز الحاجة إلى مراقبة فعلية تستند إلى الأرقام والوثائق، وتفحص مسارات السلع من المنتج إلى المستهلك.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تتبع أسعار البيع والشراء، ورصد هوامش التوزيع، والتحقق من مدى احترام قواعد المنافسة، فضلاً عن التدخل عند ثبوت التلاعب بالأسعار أو الاتفاقات المنافية للمنافسة أو غيرها من المخالفات التي ينص عليها القانون.
أما الاكتفاء بتبادل الاتهامات حول وجود «الفراقشية» أو تحميل طرف واحد مسؤولية الغلاء، فلن يؤدي إلى معالجة الأسباب الحقيقية للأزمة. المطلوب هو تحديد مكامن الخلل بالأدلة، ومساءلة كل من تثبت مسؤوليته، دون تعميم أو استهداف اعتباطي للمهنيين والتجار.
تراجع التضخم لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار
ومن المغالطات التي تزيد من اتساع الفجوة بين الخطاب الاقتصادي والواقع المعيشي الاعتقاد بأن تباطؤ التضخم يعني تلقائياً تراجع كلفة الحياة. فقد يتباطأ ارتفاع الأسعار، بينما تظل المواد الأساسية عند مستويات مرتفعة مقارنة بما كانت عليه سابقاً.
وهنا تظهر الحاجة إلى الانتقال من الاكتفاء بالمؤشرات العامة إلى قياس الأثر الفعلي للأسعار على ميزانيات الأسر، خصوصاً في ما يتعلق بالمواد الغذائية الأساسية والنقل وباقي النفقات الضرورية.
فالأسر محدودة الدخل لا تتعامل مع نسب التضخم في التقارير فقط، بل تواجه أسعاراً يومية تحدد قدرتها على توفير الغذاء والعلاج وتغطية تكاليف تعليم الأبناء. وقد يكون ارتفاع سعر مادة أساسية واحدة كافياً لإرباك ميزانية أسرة بأكملها.
الرشيدية تحتاج إلى مراقبة مستمرة لا إلى حلول ظرفية
إن خصوصية الحاجيات اليومية للمواطنين تفرض على الجهات المعنية تكثيف مراقبة الأسواق، والتحقق من احترام القوانين المنظمة للمعاملات التجارية، وتوفير معطيات محينة تتيح فهم تطور الأسعار ومقارنة مستوياتها بين حلقات التوزيع المختلفة.
كما تقتضي معالجة الملف تنسيقاً فعالاً بين المصالح المختصة بمراقبة الأسعار والمنافسة وحماية المستهلك، مع الإعلان عن نتائج التدخلات في حدود ما يسمح به القانون، حتى لا تبقى المراقبة مجرد نشاط إداري لا يعرف المواطن أثره الفعلي.
وفي المقابل، ينبغي عدم إغفال العوامل الموضوعية التي قد تؤثر في الأسعار، من تقلبات الإنتاج الزراعي والظروف المناخية إلى تكاليف النقل والطاقة والاستيراد. غير أن تحديد هذه العوامل يجب أن يكون مدخلاً لوضع حلول عملية، وليس مبرراً دائماً لتعليق مسؤولية التدخل والمراقبة.
القدرة الشرائية.. الاختبار الحقيقي للسياسات العمومية
إن الرهان الحقيقي لا يتمثل في تسجيل عدد أكبر من عمليات المراقبة أو تحرير المحاضر، بل في معرفة ما إذا كانت هذه التدخلات قد أسهمت في الحد من المخالفات وتحسين شفافية الأسعار وحماية المستهلك.
ومن هذا المنطلق، تبرز أسئلة تستحق أجوبة واضحة من الجهات المعنية: ما الإجراءات المتخذة لمراقبة الأسواق بالرشيدية؟ وكيف يجري التعامل مع الشكايات المتعلقة بالأسعار؟ وهل تتوفر معطيات منتظمة تسمح برصد تطور أسعار المواد الأساسية وهوامش توزيعها؟ وما النتائج الملموسة للتدخلات الرقابية؟
إن طرح هذه الأسئلة لا يعني افتراض وجود احتكار في كل سوق أو تحميل جهة بعينها مسؤولية ارتفاع الأسعار، بل يهدف إلى جعل النقاش قائماً على المعطيات والمساءلة، بدل الاكتفاء بالتفسيرات العامة.
فأخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول التكيف مع الغلاء إلى العبء الوحيد الذي يُطلب من المواطن تحمله، بينما تظل أسباب ارتفاع الأسعار دون تشخيص دقيق، وتبقى نتائج المراقبة دون تقييم واضح.
في الرشيدية، كما في باقي المدن المغربية، لا تُقاس فعالية حماية القدرة الشرائية بكثرة الوعود، بل بمدى قدرة المؤسسات المعنية على كشف الاختلالات، وتطبيق القانون، وضمان منافسة عادلة، وتحقيق نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
تعليقات الزوار