هبة زووم – الرباط
لم ينتظر فريق حزب العدالة والتنمية بمجلس النواب طويلاً بعد تنصيب الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري ونيلها ثقة الغرفة الأولى، حتى يضع ملف محاربة الفساد على طاولة المواجهة التشريعية، من خلال إيداع أربعة مقترحات قوانين لدى مكتب المجلس، في خطوة تحمل أبعاداً سياسية تتجاوز المبادرة التشريعية إلى اختبار مدى استعداد الأغلبية الحكومية لتحويل شعارات النزاهة والشفافية إلى مقتضيات قانونية قابلة للتنفيذ.
وحسب بلاغ للفريق البرلماني، فإن المبادرات الأربع تستهدف سد عدد من الثغرات المرتبطة بتنازع المصالح، والإثراء غير المشروع، وحماية المبلغين عن الفساد، والتصريح الإجباري بالممتلكات، وهي ملفات ظلت حاضرة بقوة في النقاش العمومي حول تخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ويتعلق المقترح الأول بالوقاية من تنازع المصالح ومحاربته، إلى جانب تجريم تسريب المعلومات المتميزة بهدف الحصول على فوائد أو امتيازات، استناداً إلى الفصل 36 من الدستور. أما المقترح الثاني فيروم تجريم الإثراء غير المشروع، من خلال التصدي للزيادة الكبيرة وغير المبررة في الثروة.
كما وضع الفريق مقترح قانون ثالثاً يتعلق بحماية الموظفين العموميين المبلغين عن أفعال الفساد داخل الإدارات العمومية، في محاولة لتوفير ضمانات قانونية للأشخاص الذين يكشفون عن ممارسات يشتبه في مخالفتها للقانون. ويتعلق المقترح الرابع بتوحيد وتحيين التشريع المنظم للتصريح الإجباري بالممتلكات، بما يهدف إلى تعزيز آليات مراقبة الثروة والحد من تضارب المصالح.
وتكتسب هذه الخطوة دلالتها السياسية من توقيتها؛ إذ تأتي مباشرة بعد حصول الحكومة الجديدة على ثقة مجلس النواب، لتعيد إلى الواجهة سؤالاً مركزياً: هل ستتعامل الأغلبية مع مقترحات مكافحة الفساد باعتبارها أولوية تشريعية مشتركة، أم ستظل هذه الملفات رهينة الحسابات الحزبية وتوازنات الأغلبية والمعارضة؟
فمحاربة الفساد لا تُقاس بعدد التصريحات والالتزامات الواردة في البرامج الانتخابية، بل بمدى استعداد المؤسسات لإقرار قواعد قانونية واضحة، وتوفير آليات فعالة للمراقبة والمساءلة، وضمان عدم إفلات أصحاب النفوذ من المحاسبة متى ثبتت مسؤوليتهم وفق القانون.
ومن هنا، فإن مقترحات العدالة والتنمية تضع الحكومة الجديدة أمام اختبار عملي، خصوصاً في ما يتعلق بالإثراء غير المشروع وتنازع المصالح والتصريح بالممتلكات، وهي ملفات ترتبط مباشرة بثقة المواطنين في المؤسسات وبمدى جدية الدولة في حماية المال العام وصون نزاهة القرار العمومي.
غير أن إيداع مقترحات القوانين لا يعني بالضرورة اعتمادها؛ إذ تظل المبادرات التشريعية خاضعة للمسطرة البرلمانية، بما تتطلبه من دراسة ومناقشة وتعديلات وتصويت، ولذلك، فإن المعيار الحقيقي لن يُحسم بمجرد تسجيل المقترحات، بل بمآلها داخل المؤسسة التشريعية، وبمدى التفاعل معها من طرف الأغلبية والحكومة.
وأكد فريق العدالة والتنمية، وفق البلاغ الذي أعلن فيه عن المبادرات، أن هذه المقترحات تأتي في إطار تنزيل التزامات الحزب الواردة في برنامجه الانتخابي، ولا سيما الإجراءات من 111 إلى 115.
لكن الرهان يتجاوز الالتزام الحزبي إلى سؤال الإرادة السياسية داخل البرلمان: هل ستجد هذه المقترحات طريقها إلى نقاش جدي يفضي إلى تطوير المنظومة القانونية لمحاربة الفساد، أم ستصطدم بحسابات سياسية قد تؤجل الحسم في ملفات ظلت تثير جدلاً واسعاً؟
كما أن فعالية أي تشريع في هذا المجال لا تتوقف على تجريم الأفعال وحده، بل تتطلب ضمانات للمراقبة والتطبيق، وحماية المبلغين من الانتقام المهني والإداري، وإرساء قواعد واضحة للتصريح بالممتلكات والتحقق من المعطيات، مع احترام قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.
وفي انتظار ما ستسفر عنه المسطرة البرلمانية، تبدو المبادرة بمثابة امتحان مبكر لشعارات الإصلاح والنزاهة التي ترفعها مختلف القوى السياسية، فمحاربة الفساد لا تحتاج إلى مزايدات انتخابية، بقدر ما تحتاج إلى قوانين فعالة وإرادة سياسية تتيح تطبيقها دون انتقائية.
والسؤال الذي سيظل مطروحاً أمام حكومة المنصوري وأغلبيتها هو: هل ستتحول هذه المقترحات الأربعة إلى تشريعات فعلية، أم ستبقى محاربة الفساد عنواناً سياسياً يتجدد مع كل بداية حكومية؟
تعليقات الزوار