هبة زووم – الرباط
عاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي إلى إثارة الجدل حول حصيلة عزيز أخنوش، رئيس الحكومة السابق، من خلال تدوينة اتسمت بنبرة نقدية حادة، تساءل فيها عما إذا كان أخنوش قد غادر موقع المسؤولية دون أن يخضع، في نظره، للمساءلة السياسية اللازمة عن تدبيره لقطاعات حكومية، وفي مقدمتها الفلاحة، وعن حصيلة السنوات التي قضاها على رأس الحكومة.
واختار اليحياوي لتدوينته سؤالاً مباشراً: “هل أفلت أخنوش بجلده؟”، قبل أن يعبّر عن اعتقاده بأن رئيس الحكومة السابق غادر المشهد دون أن يواجه، بحسب تعبيره، مساءلة تتناسب مع حجم الانتقادات التي يوجهها إلى تجربته الحكومية.
ولم يكتف الباحث بتقييم المرحلة الحكومية، بل أعاد استحضار تجربة أخنوش السابقة على رأس وزارة الفلاحة، معتبراً أن تدبيره لهذا القطاع، إلى جانب رئاسته للحكومة، خلّف حصيلة تستحق، في نظره، نقاشاً سياسياً ومؤسساتياً يتجاوز مجرد انتقال المسؤولين من المناصب إلى خارجها.
ويضع اليحياوي غلاء الأسعار في مقدمة الملفات التي يستند إليها في انتقاده لحصيلة أخنوش، متحدثاً عن سنوات وصفها بالقاسية على القدرة الشرائية للمغاربة، ومعتبراً أن السياسات المتبعة لم تنجح في إدخال ما يكفي من الانفراج إلى الحياة اليومية للأسر.
كما أثار مسألة حرمان المغاربة من الاحتفال بعيد الأضحى في مناسبتين، في إشارة إلى قرار إلغاء شعيرة ذبح الأضاحي على المستوى الوطني خلال عامي 2025 و2026، وهي خطوة ارتبطت، وفق المبررات المعلنة آنذاك، بالظروف الاستثنائية التي عرفتها الثروة الحيوانية.
وتكشف هذه الانتقادات عن استمرار حضور ملف المعيشة والأمن الغذائي في تقييم التجربة الحكومية، خصوصاً في ظل حساسية أسعار المواد الأساسية واللحوم، وما تطرحه من أسئلة حول فعالية السياسات العمومية وقدرتها على حماية القدرة الشرائية وتحقيق التوازن بين مصالح المنتجين والمستهلكين.
غير أن تقييم هذه الحصيلة يظل محتاجاً إلى تفكيك كل ملف على حدة، والتمييز بين القرارات الحكومية والظروف الاقتصادية والمناخية، وبين المسؤولية السياسية عن الاختيارات المتخذة والنتائج الفعلية التي أفرزتها.
ومن أكثر المقاطع حدة في تدوينة اليحياوي، حديثه عن ما وصفه باستفادة أشخاص مقربين من دوائر القرار من المال العام، مستعملاً تعبيرات اتهامية قاسية في وصفهم، ومحمّلاً أخنوش مسؤولية سياسية عما يعتبره اختلالات رافقت تدبير المرحلة.
وهي اتهامات تظل، في حدود ما ورد في التدوينة، مواقف وتقديرات صادرة عن صاحبها، ولا تشكل في حد ذاتها إثباتاً قضائياً لوقائع فساد أو اختلاس، لكن حدّة التعبير تعيد إلى الواجهة سؤالاً أوسع يتعلق بمدى قدرة آليات الرقابة والمحاسبة على تحويل الانتقادات السياسية إلى فحص مؤسساتي للوقائع، متى توفرت معطيات وأدلة تستدعي ذلك.
فمغادرة المسؤول لمنصبه لا تعني، من حيث المبدأ، انتهاء النقاش حول حصيلته، كما أن التداول على السلطة لا يعفي المسؤولين السابقين من المساءلة السياسية أو القانونية متى قامت أسبابها. وفي المقابل، تقتضي العدالة التمييز بين النقد المشروع والاتهامات التي تستلزم أدلة قابلة للتحقق.
وفي سياق تدوينته، استحضر اليحياوي تجربة سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة الأسبق، مقارناً بين الرجلين من زاوية تقييمه الشخصي لطريقة تدبير المسؤولية والتعامل مع المال العام.
ورغم إقراره باختلاف السياقات، اعتبر أن العثماني حافظ، بحسب قراءته، على قيم مرتبطة بأصوله، لكنه انتقد حصيلته في تدبير الندرة وإنتاج الثروة. وفي المقابل، وجّه إلى أخنوش اتهامات شديدة تتعلق بالتعامل مع المال العام.
وتظل هذه المقارنة تعبيراً عن موقف اليحياوي وتقديره للتجربتين، لا حكماً قضائياً أو نتيجة موثقة بشأن النزاهة المالية لأي من المسؤولين. كما أن تقييم التجارب الحكومية يقتضي الاستناد إلى القرارات والنتائج والمعطيات الرسمية، لا إلى الانطباعات وحدها.
وبين انتقاد السياسات الاقتصادية والتشكيك في حصيلة التدبير، يطرح الباحث سؤالاً سياسياً يتجاوز شخص أخنوش: ما الذي يتبقى من مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة عندما يغادر المسؤول منصبه، فيما تظل ملفات الأسعار والفلاحة والقدرة الشرائية محل نقاش وانتقاد؟
إن أهمية هذا السؤال لا تكمن في إطلاق الأحكام، بل في المطالبة بتقييم موضوعي للحصيلة، وتوضيح المسؤوليات، وإخضاع الاختيارات العمومية للتدقيق والمساءلة وفق القواعد القانونية والمؤسساتية.
وتختتم تدوينة اليحياوي بنبرة تهكمية، متسائلاً عما يمكن أن يفعله أخنوش بما جمعه، في تعبير يعكس شدة غضبه من التجربة الحكومية السابقة. وبين اللغة السياسية الحادة والحاجة إلى أدلة موثقة، يبقى التحدي الأساسي هو الانتقال من تبادل الاتهامات إلى نقاش عمومي جدي حول الحصيلة، والرقابة، وحدود المسؤولية بعد مغادرة المناصب.
تعليقات الزوار