شيشاوة.. العامل الكراب أمام امتحان التنمية البشرية فهل تكفي المصادقة على المشاريع لتبرير تعثر تنزيلها؟

هبة زووم – شيشاوة
تتجدد الأسئلة بشأن حصيلة تنزيل مشاريع التنمية البشرية بإقليم شيشاوة، في ظل الإعلان عن اعتمادات مالية مهمة موجهة إلى قطاعات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، مقابل ضرورة تقديم معطيات واضحة للرأي العام حول وتيرة التنفيذ، واحترام الآجال، ومدى انعكاس هذه البرامج على الحياة اليومية للساكنة.
فخلال الاجتماع الثالث للجنة الإقليمية للتنمية البشرية برسم سنة 2026، برئاسة عامل الإقليم بوعبيد الكراب، جرت المصادقة على مشاريع تبلغ كلفتها الإجمالية، وفق الأرقام المعلنة، 21.55 مليون درهم.
وتشمل هذه المشاريع اقتناء 12 حافلة للنقل المدرسي، وبناء داخليتين، واقتناء سيارة إسعاف، إلى جانب تجهيزات لفائدة مراكز استقبال الأشخاص في وضعية هشاشة والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه لا يتعلق فقط بحجم الاعتمادات التي جرى الإعلان عنها، بل بما إذا كانت هذه المشاريع ستغادر فعلاً دائرة الاجتماعات والمقررات نحو التنفيذ الملموس. فالمواطن في شيشاوة لا ينتظر أرقاماً جديدة في البلاغات الرسمية بقدر ما ينتظر حافلات تصل إلى التلاميذ، وداخليات تفتح أبوابها في الآجال المحددة، وخدمات صحية واجتماعية تستجيب لحاجيات الفئات المستهدفة.
وبحكم رئاسته للجنة الإقليمية للتنمية البشرية، يوجد عامل الإقليم بوعبيد الكراب في موقع يفرض عليه مسؤولية تتبع تنفيذ المشاريع، وتنسيق تدخلات مختلف الشركاء، والوقوف على العراقيل التي قد تعطل إنجازها، كلٌّ في حدود اختصاصاته القانونية والإدارية.
ومن هنا، فإن أي تأخر يثبت وقوعه، أو تعثر في التنفيذ، أو فجوة بين الاعتمادات المعلنة والنتائج المحققة، يستوجب توضيحاً مؤسساتياً يحدد أسبابه والجهات المسؤولة عنه، بدل الاكتفاء بتجديد الدعوات إلى التسريع والجودة والشفافية في كل اجتماع.
فالتأكيد على ضرورة احترام الآجال لا يعفي من تقديم حصيلة دقيقة بشأن المشاريع السابقة، كما أن الدعوة إلى تعزيز آليات التتبع والتقييم تقتضي الكشف عن نتائج هذه الآليات، والإجراءات المتخذة عندما تظهر عراقيل أو اختلالات.
ولا يتعلق الأمر بتحميل العامل مسؤولية كل تفصيل تنفيذي، إذ تتوزع المسؤوليات بحسب طبيعة المشروع والجهة صاحبة الاختصاص والالتزامات التعاقدية. لكن موقعه على رأس اللجنة الإقليمية يجعل مساءلته عن التنسيق والتتبع وتقييم الأداء أمراً مشروعاً، ويضعه أمام ضرورة تقديم أجوبة واضحة بشأن مآل المشاريع والنتائج المحققة.
في قطاع التعليم، خُصصت 5.4 ملايين درهم لاقتناء 12 حافلة للنقل المدرسي، فيما رُصدت 11 مليون درهم لبناء داخلية بالثانوية الإعدادية آيت حدو يوسف، وأربعة ملايين درهم لبناء داخلية بالثانوية التأهيلية تولوكلت.
وهي اعتمادات تضع الجهات المعنية أمام مسؤولية ضمان إنجاز المشاريع وفق المعايير المطلوبة، خصوصاً أن الأمر يرتبط بحق التلاميذ في التمدرس، وبمعاناة الأسر التي تتحمل أعباء التنقل والإيواء، وبمطلب الحد من الهدر المدرسي في المناطق القروية.
لكن الإعلان عن اقتناء الحافلات لا يكشف وحده عن موعد دخولها الخدمة، ولا عن الجماعات والمناطق التي ستستفيد منها، كما أن تخصيص ميزانية لبناء الداخليات لا يعني بالضرورة أنها أصبحت جاهزة لاستقبال التلاميذ. المطلوب هو نشر جدول زمني واضح للتنفيذ، وتحديد المستفيدين، وتقديم معطيات قابلة للتحقق بشأن التقدم المحرز.
وفي القطاع الصحي، تبرز سيارة الإسعاف المخصصة لجماعة لالة عزيزة، بكلفة 500 ألف درهم، باعتبارها مشروعاً يفترض أن يسهم في تحسين نقل المرضى. غير أن قيمتها الحقيقية لا تتحدد باقتنائها فقط، بل بجاهزيتها التشغيلية، وتوفير السائق والموارد اللازمة، وضمان صيانتها واستعمالها وفق الحاجيات الفعلية للساكنة.
أما الاعتمادات الموجهة إلى مراكز استقبال الأشخاص في وضعية هشاشة والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، فتستدعي بدورها تتبعاً يضمن وصول التجهيزات إلى المؤسسات المستهدفة، واستعمالها بالشكل المناسب، وتحسين ظروف الاستقبال والتكفل بالمستفيدين.
إن الإشكال الذي ينبغي أن يواجهه تدبير التنمية البشرية بشيشاوة ليس نقص الشعارات أو غياب المشاريع المعلنة، بل ضرورة ربط كل اعتماد مالي بنتيجة ملموسة، وكل التزام بموعد محدد، وكل مسؤولية بحصيلة قابلة للمساءلة.
ومن حق الرأي العام أن يعرف: ما نسبة إنجاز المشاريع التي سبق أن صودق عليها؟ وما المشاريع التي دخلت حيز الخدمة فعلياً؟ وهل توجد مشاريع متأخرة، وما أسباب تأخرها؟ ومن هي الجهات المكلفة بالتنفيذ والتتبع؟ وما التدابير المتخذة لتجاوز أي عراقيل؟
هذه الأسئلة لا تستهدف شخصنة النقاش، بل ترمي إلى إخضاع تدبير الشأن العام لمنطق الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. وهي تضع عامل الإقليم، باعتباره رئيس اللجنة الإقليمية للتنمية البشرية، أمام مسؤولية تقديم حصيلة واضحة بشأن التنسيق والتتبع، مع تحديد مسؤوليات باقي المتدخلين بدقة.
فشيشاوة لا تحتاج إلى إعلان جديد عن مشاريع بالملايين بقدر ما تحتاج إلى ضمان وصول آثارها إلى التلاميذ والمرضى والأشخاص في وضعية هشاشة. وبين المصادقة والتنفيذ مسافة لا يمكن ردمها بالبلاغات، وإنما بالإنجاز الفعلي، واحترام الآجال، ونشر النتائج، ومساءلة كل جهة عن الجزء الذي يدخل ضمن اختصاصها.
ويبقى الاختبار الحقيقي أمام بوعبيد الكراب وباقي المتدخلين هو تقديم حصيلة موثقة: ما الذي أُنجز، وما الذي لا يزال متعثراً، ولماذا؟ فالتنمية البشرية لا تُقاس بما يُعلن عنه في قاعات الاجتماعات، بل بما يتغير فعلياً في حياة الساكنة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد