رشيد القبيل يفتح النار على أغلبية جهة الدار البيضاء-سطات: خروقات قانونية ودورات بلا مشاريع و”لجنة الرجل الواحد”

هبة زووم – الدار البيضاء
وجّه رشيد القبيل، عضو مجلس جهة الدار البيضاء–سطات عن حزب العدالة والتنمية، انتقادات حادة لطريقة تدبير المجلس خلال دورة أكتوبر 2026، معتبراً أن ما يطبع عمل المؤسسة، بحسب تعبيره، هو استمرار الاختلالات المرتبطة باحترام المساطر القانونية، وضعف النقاش داخل اللجان، وغياب مشاريع تنموية جديدة قادرة على الاستجابة لانتظارات ساكنة الجهة.
وفي تصريح للجريدة، اعتبر القبيل أن دورة أكتوبر لم تخرج عن نمط التدبير الذي يقول إنه طبع دورات سابقة، مسجلاً أن جدول الأعمال والوثائق المرتبطة به لم يتوصل بها أعضاء المجلس، وفق إفادته، إلا يوم السبت السابق لانعقاد الدورة، أي قبل أقل من 48 ساعة، بدل احترام أجل السبعة أيام الذي استند إليه في انتقاده، استناداً إلى القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات.
ويرى المستشار الجهوي أن التأخر في وضع الوثائق رهن إشارة الأعضاء لا يمثل مجرد خلل إجرائي عابر، بل يفرغ النقاش المؤسساتي من مضمونه، ويحول التداول حول القضايا التنموية إلى إجراء شكلي لا يتيح للمستشارين الوقت الكافي لدراسة الملفات وإعداد الملاحظات والبدائل.
ولم يسلم اجتماع اللجان من انتقاداته، إذ تحدث القبيل عن حضور محدود لا يتجاوز بضعة عشر عضواً من أصل نحو 75، معتبراً أن مناقشة النقط انطلقت من ملخصات مقتضبة وغامضة، في وقت يُفترض فيه أن تشكل اللجان فضاءً أساسياً للتدقيق في المشاريع والاتفاقيات قبل عرضها على أنظار المجلس.
دورة تعديلات وملحقات.. أين المشاريع الجديدة؟
على مستوى مضمون الدورة، وصف القبيل جدول الأعمال بأنه يفتقر إلى النفس التنموي، معتبراً أن أغلب النقط دارت حول تعديلات وإلغاءات وملحقات، دون أن يلمس وجود مشاريع جديدة ذات أثر واضح على مجموع تراب الجهة.
وطرح المستشار الجهوي أسئلة مباشرة حول أسباب هذا الوضع، متسائلاً عما إذا كان الأمر مرتبطاً بنقص الموارد المالية، أم بضعف الابتكار والطموح التنموي، أم أن الأغلبية المسيرة تعتبر أن الجهة استوفت حاجياتها ولم تعد بحاجة إلى مبادرات ومشاريع جديدة.
وتكتسي هذه الانتقادات أهمية خاصة بالنظر إلى حجم الجهة ومكانتها الاقتصادية والديمغرافية، وما تواجهه أقاليمها وعمالاتها من تفاوتات مجالية وانتظارات متعلقة بالنقل والتشغيل والتجهيزات الأساسية والخدمات الاجتماعية. فالمطلوب من المجلس، وفق منطق التدبير العمومي، ليس فقط تمرير التعديلات والملحقات، وإنما تقديم حصيلة قابلة للقياس، وتحديد المشاريع المنجزة والمتعثرة، والآجال المرصودة، والأثر الفعلي للاعتمادات المصروفة.
“لجنة الرجل الواحد”.. من ناقش التوصيات؟
ومن بين أكثر النقاط التي أثارها القبيل، ما وصفه بالمفارقة المرتبطة بتقرير لجنة المالية، إذ قال إن الاجتماع لم يحضره، بحسب تصريحه، أي مستشار باستثناء رئيس اللجنة، إلى جانب بعض ممثلي المصالح الخارجية والموظفين.
وتساءل عن الكيفية التي جرت بها مناقشة التوصيات وصياغتها في غياب باقي أعضاء اللجنة، مستعملاً تعبير «لجنة الرجل الواحد»، في إشارة ساخرة إلى ما اعتبره اختلالاً في ممارسة الدور التداولي والرقابي للمستشارين المنتخبين.
وأكد القبيل أن الموظفين والأطر التقنية يضطلعون بدور أساسي في تقديم المعطيات والتوضيحات، لكن ذلك لا يعوض مسؤولية المنتخبين في مناقشة الملفات وإبداء الملاحظات وتحمل المسؤولية السياسية عن التوصيات والقرارات.
وإذا كانت هذه المعطيات، كما أوردها المستشار، تعكس فعلاً ظروف انعقاد اجتماع اللجنة، فإنها تطرح سؤالاً مؤسساتياً يتجاوز مجرد تسجيل الحضور: كيف يمكن ضمان جدية التقارير والتوصيات حين يغيب النقاش بين المنتخبين؟ وما مدى قدرة اللجان على أداء وظيفتها الرقابية إذا لم تنخرط مكوناتها في دراسة الملفات المعروضة عليها؟
تسعة ملايين درهم تحت مجهر الأسئلة الكتابية
وفي الجلسة المخصصة للأسئلة الكتابية، كشف القبيل أن مستشاري حزب العدالة والتنمية تقدموا بأربعة أسئلة تهم حصيلة تنزيل أربع اتفاقيات شراكة صادق عليها المجلس، بكلفة إجمالية تناهز تسعة ملايين درهم.
وتتعلق هذه الاتفاقيات بجمعية “إيسيل” للمسرح والتنشيط الثقافي، ومشروع “شباب فاعل في الثقافة”، و”قافلة سفراء التطوع والمواطنة”، فضلاً عن اتفاقية لتطوير رياضة الكيك بوكسينغ والطاي بوكسينغ.
وبحسب القبيل، فإن الغاية من هذه الأسئلة ليست الدخول في سجال سياسي مجاني، وإنما معرفة المآل الفعلي لهذه الاتفاقيات، ومدى استكمال المساطر الإدارية المرتبطة بها، وما إذا كانت الاعتمادات المالية قد صُرفت، والأهداف التي تحققت على أرض الواقع، فضلاً عن مدى انعقاد لجان التتبع والتقييم.
وأثار المتحدث، في هذا السياق، وضعية اتفاقية قال إن المجلس صادق عليها في يوليوز 2022 لمدة سنة واحدة، معتبراً أن مصيرها لا يزال غير واضح بالنسبة إليه إلى حدود اليوم.
وتضع هذه الأسئلة مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في صلب النقاش حول تدبير المال العام؛ فالمصادقة على اتفاقية وتخصيص اعتمادات مالية لها لا يكفيان لإثبات نجاحها، ما لم تُعرض حصيلة تنفيذها، وتُحدد نتائجها، ويُكشف عن أوجه صرف الأموال المرصودة لها. كما أن غياب المعطيات الواضحة، إن ثبت، يضعف قدرة أعضاء المجلس والرأي العام على تقييم جدوى هذه الشراكات.
النظام الداخلي في قلب المواجهة
ولم تتوقف انتقادات القبيل عند تدبير المشاريع، بل امتدت إلى طريقة إدراج الأسئلة الكتابية في جدول الأعمال، وقال إن المادة 80 من النظام الداخلي للمجلس تنص، وفق قراءته، على ترتيب الأسئلة بحسب وحدة الموضوع وتاريخ توصل رئيس المجلس بها، معتبراً أن الاكتفاء بعبارة عامة من قبيل «حصة الأسئلة الكتابية» دون تفصيل لا ينسجم مع مقتضيات هذه المادة.
وأضاف أنه سبق أن أثار هذه الملاحظة خلال دورة سابقة، وأن رئيس المجلس تعهد، بحسب روايته، بمعالجة الأمر في الدورة الموالية، غير أن الوضع استمر على حاله.
واعتبر القبيل أن استمرار هذا الإشكال يثير تساؤلات بشأن مدى احترام النظام الداخلي، الذي صوّتت عليه الأغلبية نفسها، وبشأن تكافؤ الفرص بين مكونات المجلس في ممارسة حقها الرقابي. كما ربط بين طريقة تدبير هذه الحصة وتراجع حضور الأسئلة الكتابية لدى باقي الفرق، قائلاً إن مستشاري حزبه أصبحوا، وفق تصريحه، الطرف الوحيد الذي يواصل طرحها خلال الدورات الأخيرة.
وهي نقطة تستدعي توضيحاً من رئاسة المجلس بشأن المعايير المعتمدة في إدراج الأسئلة وترتيبها، ومدى احترام المقتضيات التنظيمية ذات الصلة، حتى لا يتحول خلاف حول المسطرة إلى أزمة ثقة في آليات الرقابة داخل المؤسسة المنتخبة.
من أزمة التدبير إلى أزمة الثقة السياسية
وفي قراءته للمشهد السياسي، ربط القبيل بين ما اعتبره تفريغاً للمؤسسة المنتخبة من أدوارها التداولية والرقابية، وبين تنامي العزوف عن المشاركة السياسية. كما وجّه انتقاداً حاداً إلى الأغلبية التي تشكلت عقب انتخابات 8 شتنبر 2021، واصفاً مخرجاتها بأنها نموذج لما سماه “العبث السياسي”.
وفي المقابل، استحضر نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر الماضي، مهنئاً حزبه على ما اعتبره فوزاً سياسياً، بعد ارتفاع عدد مقاعده من 13 إلى 54 مقعداً، وفق الأرقام التي أوردها في تصريحه، كما شدد على أن هذا التقدم تحقق، بحسب تعبيره، بأصوات نظيفة، في إشارة إلى رفضه ما يصفه بممارسات شراء الأصوات واستعمال وسائل غير مشروعة للتأثير على الناخبين.
وبين الانتقادات المرتبطة بآجال التوصل بالوثائق، والتساؤلات حول حصيلة اتفاقيات بملايين الدراهم، والجدل بشأن حضور اللجان واحترام النظام الداخلي، يضع تصريح القبيل مجلس جهة الدار البيضاء–سطات أمام أسئلة تتعلق بجوهر العمل المؤسساتي: هل تُدار الدورات بما يضمن نقاشاً فعلياً وشفافية في اتخاذ القرار، أم أن التصويت على المقررات أصبح يتقدم على تقييم جدواها؟
ويبقى الفيصل في هذا النقاش هو تقديم المعطيات والوثائق الرسمية، والكشف عن حصيلة الاتفاقيات ومآل الاعتمادات المالية، وتوضيح ظروف اجتماعات اللجان ومدى احترام المساطر القانونية والتنظيمية.
فالمؤسسات المنتخبة لا تُقاس بعدد الدورات التي تعقدها أو المقررات التي تصادق عليها، بل بقدرتها على إنتاج حلول ملموسة، وضمان الرقابة على المال العام، وإقناع المواطنين بأن أصواتهم لا تنتهي عند صناديق الاقتراع، وإنما تتحول إلى قرارات تنموية قابلة للمحاسبة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد