هبة زووم – الدار البيضاء
في قلب العاصمة الاقتصادية، تختزن منطقة الحبوس رصيداً معمارياً وثقافياً يختزل جانباً من تاريخ الدار البيضاء وتحولاتها العمرانية، بما تضمه من أزقة مميزة ومعالم ذات قيمة تراثية ورمزية. غير أن هذا الإرث، الذي يفترض أن يشكل مصدر اعتزاز جماعي ورافعة للتنمية المحلية، يطرح اليوم سؤالاً أساسياً: هل تحظى المنطقة بما تستحقه من عناية وتأهيل، أم أن سحر معمارها يخفي وراءه إكراهات يومية تنتظر حلولاً عملية؟
فالحفاظ على المناطق التاريخية لا يتحقق بمجرد صيانة الواجهات والمباني، ولا بالاكتفاء باستحضار أمجاد الماضي في المناسبات، بل يتطلب سياسة متكاملة توازن بين حماية التراث وتحسين ظروف عيش السكان، وتضمن أن تكون مشاريع التأهيل في خدمة الإنسان والمجال معاً.
تواجه منطقة الحبوس تحدياً مزدوجاً؛ فمن جهة، تفرض خصوصيتها المعمارية ضرورة الحفاظ على هويتها التاريخية وصيانة مبانيها وأزقتها، ومن جهة أخرى، تبرز الحاجة إلى مواصلة تحسين البنية التحتية والخدمات الأساسية، وتعزيز النظافة والإنارة، وتأهيل الممرات، وتيسير حركة السكان والزوار داخل فضاء عمراني يعرف كثافة في الأنشطة التجارية والحياة اليومية.
والرهان هنا لا يتعلق فقط بالحفاظ على صورة جميلة لمنطقة تاريخية، بل بضمان شروط العيش الكريم لمن يسكنونها ويشتغلون فيها. فكل مشروع تأهيل يفقد معناه إذا لم ينعكس على جودة الخدمات، وسلامة الفضاءات العامة، وتنظيم الأنشطة التجارية، وتحسين ظروف اشتغال الحرفيين والتجار.
ومن ثم، يصبح من المشروع التساؤل عن الأولويات المعتمدة في تدبير هذا المجال، وعن البرامج التي يجري تنفيذها، ومدى استجابتها للحاجيات اليومية للسكان والمهنيين، كما تظل الشفافية في عرض المشاريع المبرمجة والمنجزة وآجال تنفيذها مدخلاً أساسياً لتقييم ما تحقق وما لا يزال ينتظر التدخل.
تتوفر الحبوس على مؤهلات يمكن أن تجعلها وجهة أكثر جاذبية للزوار والمهتمين بالتراث المعماري والثقافي، شريطة الانتقال من منطق المحافظة على المباني إلى رؤية تنموية متكاملة.
فربط المعالم التاريخية بمسارات ثقافية واضحة، وتثمين الحرف التقليدية، وتشجيع المبادرات التجارية والسياحية، وتوفير فضاءات ملائمة للتعريف بتاريخ المنطقة، كلها خطوات يمكن أن تمنح الاقتصاد المحلي دفعة إضافية، وتفتح آفاقاً جديدة أمام التجار والصناع التقليديين.
لكن هذا التثمين لا ينبغي أن يتحول إلى مشروع يستهدف الزوار وحدهم، بينما تبقى حاجيات السكان اليومية في مرتبة ثانوية. فالتنمية التراثية الناجحة هي التي تحافظ على هوية المكان، وتدعم الأنشطة الاقتصادية، وتحمي النسيج الاجتماعي من التهميش أو الإقصاء.
لا يمكن لأي برنامج لإعادة الاعتبار إلى المناطق التاريخية أن يحقق أهدافه دون إشراك السكان والتجار والحرفيين في تحديد الأولويات ومواكبة التنفيذ. فهؤلاء هم الأكثر معرفة بتفاصيل الحياة اليومية داخل الأزقة، وبالمشكلات التي تعيق نشاطهم أو تؤثر على سلامتهم وظروف عيشهم.
ومن هنا، تبرز أهمية إرساء قنوات منتظمة للتشاور، والاستماع إلى الشكايات والمقترحات، وإطلاع المعنيين على طبيعة المشاريع ومراحل إنجازها، مع توفير آليات واضحة لتقييم نتائجها.
كما أن الحفاظ على الطابع التاريخي للمنطقة ينبغي أن يسير جنباً إلى جنب مع حماية مصالح السكان، حتى لا يصبح التأهيل مجرد تغيير في المظهر الخارجي، دون معالجة الاختلالات التي تمس جودة الحياة والخدمات.
إن منطقة الحبوس لا تحتاج فقط إلى الاحتفاء بتاريخها، بل إلى رؤية واضحة تجعل من هذا التاريخ أساساً لتنمية مستدامة، تقوم على صيانة التراث، وتحسين الخدمات، ودعم الاقتصاد المحلي، وضمان مشاركة السكان في القرارات التي تؤثر على مستقبلهم.
وإذا كانت المنطقة تحظى بقيمة معمارية وثقافية تستحق الحماية، فإن ذلك يفرض على الجهات المعنية توضيح حصيلة تدخلاتها، والكشف عن المشاريع المبرمجة والمنجزة، وتحديد الأولويات والآجال، حتى يصبح تقييم التأهيل قائماً على النتائج الملموسة لا على الانطباعات العامة.
في نهاية المطاف، لا ينبغي أن تبقى الحبوس مجرد فضاء يستحضر ماضي الدار البيضاء، بل مجالاً حياً يجمع بين أصالة المعمار وكرامة العيش، وبين جاذبية التراث وازدهار التجارة والحرف التقليدية.
فالسؤال اليوم ليس فقط كيف نحافظ على جمال الحبوس، بل كيف نضمن أن يستفيد سكانها وتجارها من هذا الإرث، وأن تتحول قيمته التاريخية إلى تنمية حقيقية يشعر بها الجميع؟
تعليقات الزوار