مريم بوعيدة تفتح جبهة المساءلة بإقليم آسا الزاك وتضع أخطاء العامل يوسف خير تحت المجهر

هبة زووم – علال الصحراوي
ليست وظيفة الصحافة أن تردد ما يرضي المسؤولين، ولا أن تتحول كتاباتها إلى ذخيرة في معارك سياسية أو حسابات تنظيمية ضيقة؛ بل إن جوهر العمل الصحفي، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالمرافق العمومية، هو كشف مكامن الخلل وطرح الأسئلة التي قد يفضل البعض تأجيلها.
ومن هذا المنطلق، تعود ملفات قطاع الصحة بإقليم آسا الزاك إلى الواجهة، وسط انتقادات بشأن ظروف الاستشفاء واختلالات التدبير، وأسئلة محرجة حول مسؤولية الجهات المكلفة بالتتبع والتنسيق والمراقبة.
وفي خضم هذا النقاش، تبرز مريم بوعيدة، وفق السياق الذي يطرحه الملف، باعتبارها صوتاً يثير تساؤلات بشأن واقع الخدمات الصحية بالإقليم، بينما يجد العامل يوسف خير نفسه أمام ضرورة توضيح ما قامت به السلطات الإقليمية لمعالجة الإشكالات المطروحة، وما تحقق فعلياً لتحسين ظروف استقبال المرضى وحماية المرتفقين والأطر العاملة داخل المؤسسات الصحية.
فالمسألة لا تتعلق بتجاذب الأسماء أو تسجيل النقاط في مواجهة هذا المسؤول أو ذاك، بل بقطاع يمس حياة المواطنين مباشرة، ولا يحتمل أن تبقى أعطابه موضوعاً للنقاش الموسمي دون أجوبة واضحة وإجراءات قابلة للقياس.
إن ما أثير بشأن ظروف العمل داخل قسم الأم والطفل بالمستشفى، من نقص في الموارد البشرية والأدوية وصعوبات في ظروف الاشتغال، يستدعي التعامل معه بجدية، بعيداً عن التهويل أو التبرير. فالأم التي تلج المستشفى طلباً للرعاية، والطفل الذي يحتاج إلى علاج عاجل، لا يعنيهما حجم التراشق بين المسؤولين والفاعلين المحليين بقدر ما تعنيهما جودة الخدمات وسلامة التكفل الطبي.
وتزداد خطورة هذه الأسئلة حين تتردد مخاوف بشأن تراجع ثقة المواطنين في المرفق الصحي العمومي، أو لجوء بعض الأسر إلى المصحات الخاصة كلما سمحت إمكاناتها بذلك، وهي مؤشرات تستحق التحقق والاستقصاء، لأنها تطرح سؤالاً أساسياً: هل يوفر العرض الصحي العمومي بالإقليم شروط الرعاية التي ينتظرها المواطن، أم أن اختلالات الموارد والتجهيز والتدبير أصبحت عبئاً إضافياً على المرضى؟
ولا يمكن تحميل العامل الإقليمي وحده مسؤولية كل اختلال تقني أو طبي داخل المستشفى، باعتبار أن تدبير القطاع الصحي موزع بين مؤسسات ومصالح متعددة، لكن ذلك لا يعفي السلطات الإقليمية من مسؤولية التنسيق والتتبع، كلٌّ في حدود اختصاصاته، ولا يعفي الجهات الصحية المختصة من تقديم توضيحات دقيقة بشأن الموارد المتاحة، والنواقص المسجلة، والتدابير المتخذة لمعالجتها.
ومن بين الملفات التي تستحق افتحاصاً جدياً، ما أثير بشأن إسناد مهام داخل المرفق الصحي إلى مستخدمين تابعين لشركات خاصة، وسط مخاوف من تكليف بعضهم بمسؤوليات قد تتجاوز تكوينهم أو وضعهم المهني، دون وضوح كافٍ بشأن التأطير والحماية القانونية وحدود المسؤولية.
فإذا ثبت وجود ممارسات من هذا النوع، فإن الأمر يتجاوز مجرد تدبير الموارد البشرية إلى سؤال ضمان سلامة المرضى وحماية العاملين أنفسهم. فالقطاع الصحي مجال حساس، وأي غموض في توزيع المهام أو تحديد المسؤوليات قد يخلق مخاطر لا ينبغي الاستهانة بها.
وهنا تبرز الحاجة إلى توضيح طبيعة المهام المسندة إلى مستخدمي الشركات، ومدى مطابقتها للقوانين والضوابط المهنية، والجهة التي تتحمل مسؤولية التأطير والمراقبة. كما يصبح من الضروري الاستماع إلى إدارة المستشفى والمصالح الصحية المعنية، بدل الاكتفاء بتبادل الاتهامات أو ترك الوقائع المتداولة دون تحقيق واضح.
إن إثارة هذه الملفات لا تعني إصدار أحكام مسبقة على المسؤوليات، لكنها تفرض على الجهات المعنية الخروج من دائرة الصمت، وتقديم حصيلة واضحة لما تم اتخاذه من تدابير لمعالجة الشكاوى وتحسين ظروف الاستشفاء.
وبالنسبة إلى العامل يوسف خير، فإن المطلوب ليس تحميله مسؤولية جميع تفاصيل التدبير الطبي، بل مساءلة حدود تدخل السلطات الإقليمية في التنسيق بين المتدخلين، وتتبع الملفات ذات الأثر المباشر على حياة السكان، والعمل على ضمان عدم بقاء الشكاوى دون معالجة أو توضيح.
كما أن المسؤولية الأساسية للمصالح الصحية تقتضي الكشف عن حقيقة النقص المسجل في الموارد البشرية والأدوية، وتحديد الإجراءات العاجلة لتداركه، مع ضمان حماية المرضى والأطر العاملة على حد سواء.
أما الصحافة، فليس مطلوباً منها أن تصمت حتى لا تُستعمل كتاباتها في التراشق السياسي، بل أن تواصل عملها باستقلالية ومهنية، وأن تميز بين الوقائع المثبتة والادعاءات التي تحتاج إلى تحقق، وأن تمنح الأطراف المعنية حق الرد.
في نهاية المطاف، لن تُقاس جدية التعامل مع ملف الصحة بآلاف الكلمات المتبادلة أو بالمواقف المعلنة، وإنما بما سيلمسه المواطن داخل المستشفى: توفر العلاج، واحترام كرامة المرضى، وتحسين ظروف الاستقبال، وضمان التأطير المهني، ومعالجة الاختلالات التي يثبت وجودها.
إن آسا الزاك في حاجة إلى أجوبة عملية، لا إلى مزيد من السجال. والعامل الإقليمي والمصالح الصحية وإدارة المستشفى وسائر المتدخلين مطالبون بتوضيح ما يقع، كل من موقع اختصاصه، وإعلان التدابير المتخذة والآجال المحددة لتنفيذها.
فحين يتعلق الأمر بصحة الأم والطفل وسلامة المرضى، لا ينبغي أن تكون الأولوية لمن انتصر في معركة سياسية أو إعلامية، بل لمن استطاع أن يضع حداً للاختلالات ويعيد الثقة إلى المرفق العمومي. **ذلك هو الامتحان الحقيقي الذي ينتظر المسؤولين بإقليم آسا الزاك.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد