زاكورة.. حين تتحول معاناة الساكنة إلى سؤال محرج أمام العامل ودان

هبة زووم – زاكورة
هناك واقع اجتماعي في إقليم زاكورة لا تختصره الصور الرسمية ولا تكفي الخطب والوعود لتغييره؛ واقع تعيشه أسر تكافح لتوفير ضروريات الحياة، وشباب يبحثون عن فرص للشغل، وعمال يواجهون ارتفاع تكاليف المعيشة، ومتقاعدون يوازنون بين ثمن الدواء وفواتير الماء والكهرباء، إنها تفاصيل يومية قد لا تحضر دائماً في واجهة المشهد، لكنها تظل المقياس الحقيقي لمدى نجاح السياسات العمومية في الاستجابة لانتظارات المواطنين.
في زاكورة، كما في مناطق أخرى، لا يطلب المواطنون المستحيل. يريدون مدرسة قادرة على منح أبنائهم فرصاً متكافئة، ومؤسسات صحية تستجيب لحاجيات المرضى، وطرقاً تسهّل التنقل، وفرص شغل تمنح الشباب أسباب الاستقرار، وخدمات أساسية تحفظ كرامة الأسر، غير أن المسافة بين هذه المطالب المشروعة والواقع اليومي تظل موضوعاً يستدعي النقاش والمساءلة، خصوصاً في المجالات التي تواجه تحديات اجتماعية ومجالية متراكمة.
ولا يتعلق الأمر هنا بالفقر في صورته الظاهرة فقط، بل بأشكاله الصامتة أيضاً: الخوف من المرض بسبب كلفة العلاج، والقلق من فقدان العمل، والعجز عن توفير مصاريف الدراسة، وتأجيل المواعيد الطبية، والاضطرار إلى التضحية ببعض الحاجيات الأساسية حتى تتمكن الأسرة من تدبير ما تبقى من الشهر.
وفي القرى والبوادي، تتضاعف أهمية القرب من الخدمات الأساسية، إذ لا تكفي المدرسة إذا كان الوصول إليها شاقاً، ولا يحقق المرفق الصحي غايته إذا ظلت الاستجابة للحالات المرضية محدودة، ولا تكتمل التنمية إذا بقيت فرص الشغل محصورة أو اضطر الشباب إلى البحث عن مستقبلهم بعيداً عن أسرهم ومجالهم الأصلي.
العامل ودان أمام مسؤولية الإنصات والتنسيق
في هذا السياق، يجد العامل ودان نفسه أمام مسؤولية ترابية تقتضي الإنصات إلى انتظارات الساكنة، وتنسيق تدخلات المصالح الخارجية، وتتبع البرامج والمشاريع، والعمل على معالجة الاختلالات التي تدخل ضمن اختصاصات الإدارة الترابية أو تستوجب إحالتها على الجهات المعنية.
فالمسؤولية لا تُقاس بعدد الاجتماعات أو الزيارات أو التصريحات، وإنما بمدى انعكاس التدبير على حياة المواطنين، وبقدرة المؤسسات على تقديم أجوبة واضحة عن الملفات العالقة، وتحديد الأولويات، وتتبع التنفيذ، وإخبار الرأي العام بما تحقق وما تعثر وأسباب ذلك.
غير أن توجيه نقد دقيق لحصيلة العامل أو لأي مسؤول آخر يقتضي الاستناد إلى وقائع محددة ومؤشرات قابلة للتحقق، مع التمييز بين اختصاصات العامل والجماعات الترابية والقطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية، فالمساءلة الجادة لا تقوم على إطلاق الأحكام، بل على تحديد المسؤوليات وربطها بالنتائج، حتى لا تتحول تعددية المتدخلين إلى وسيلة لتبادل اللوم أو التهرب من المحاسبة.
صبر المواطنين ليس بديلاً عن العدالة الاجتماعية
ورغم قسوة الظروف، يواصل كثير من المغاربة مواجهة أعباء الحياة بالتضامن والتكافل؛ جار يقتسم مع جاره ما تيسر، وأم تمنح أبناءها الأمل رغم حاجتها، وشاب يستأنف المحاولة بعد كل خيبة، وعامل يعود إلى منزله متعباً لكنه يواصل الكفاح من أجل أسرته.
لكن صبر المواطنين لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتأجيل حقوقهم، كما لا يمكن للتضامن الاجتماعي أن يعوض السياسات العمومية الفعالة. فالإحسان يخفف المعاناة، لكنه لا يغني عن ضمان العلاج والتعليم الجيدين، وتوسيع فرص الشغل، وحماية القدرة الشرائية، وصون كرامة المسنين، وتمكين الأشخاص في وضعية إعاقة من فرص حقيقية للمشاركة والاستقلالية.
إن التنمية التي تنتظرها زاكورة ليست مجرد مشاريع معلنة أو أرقام تدرج في التقارير، بل تحسن ملموس في شروط العيش، وتقليص للفوارق المجالية، وخدمات تصل إلى المواطنين في الوقت المناسب، وفرص تمنح الشباب القدرة على بناء مستقبلهم داخل إقليمهم.
ومن هنا، فإن السؤال المطروح أمام العامل ودان ومختلف المؤسسات المتدخلة ليس سؤالاً شخصياً بقدر ما هو سؤال حول حصيلة العمل الجماعي: ما الذي تغير فعلياً في حياة الساكنة؟ ما المشاريع التي أُنجزت؟ وما الملفات التي ما زالت تنتظر الحل؟ ومن يتحمل مسؤولية التأخير؟ وما الآجال المحددة لمعالجة الاختلالات؟
تلك أسئلة مشروعة لا تنتقص من أي مؤسسة، بل تمنح العمل العمومي معناه الحقيقي. فالمواطن لا يحتاج إلى وعود إضافية بقدر ما يحتاج إلى نتائج يمكن لمسها في المدرسة والمستشفى والطريق وفرص الشغل وجودة الخدمات.
وفي نهاية المطاف، لا تُقاس قيمة التنمية بما يرتفع من بنايات أو بما يعلن من برامج، بل بما يتراجع من معاناة، وما يتسع من فرص، وما يُصان من كرامة، وزاكورة، مثل باقي أقاليم المغرب، تستحق أن يكون الإنسان في قلب أولوياتها، وأن تتحول انتظارات ساكنتها إلى التزامات واضحة ومشاريع قابلة للتتبع والمحاسبة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد