ع.بلاوشو
لم تعد معادلات القوة في العلاقات الدولية محكومة فقط بما تمتلكه الدول من موارد مادية وبشرية، وإنما أصبحت مرتبطة بقدرتها على تحويل الإمكانات المتاحة إلى قدرات استراتيجية، وتحويل القدرات إلى أدوات للتأثير والتموقع وإنتاج المصالح.
ومن هذا المنطلق، تبرز فلسفة التمكين باعتبارها نسقاً استراتيجياً متكاملاً، يقوم على ثنائية مترابطة: تملّك الإمكانيات وإطلاق الممكنات.
فإذا كان تملّك الإمكانيات يعني بناء القدرة على امتلاك الموارد والتحكم في شروط توظيفها، فإن إطلاق الممكنات يعني تحرير الطاقات الكامنة، وإزالة العوائق التي تحول دون تحويلها إلى إنجازات ونتائج ملموسة.
وبذلك، لا يتعلق الأمر بمجرد تدبير ما هو متاح، وإنما بصناعة ما هو ممكن، ولا بمجرد امتلاك عناصر القوة، وإنما بإنتاج القدرة على تشغيلها وتطويرها وإعادة إنتاجها، إنها فلسفة الانتقال من منطق الإمكان إلى منطق الاقتدار.
أولاً : البعد الجيوسياسي.. التمكين باعتباره صناعة للتموقع الاستراتيجي
في المنظور الجيوسياسي، لا تكتسب المجالات الترابية أهميتها فقط من موقعها الجغرافي أو من حجم ثرواتها، وإنما من قدرتها على التحول إلى فضاءات لإنتاج المصالح وبناء الشراكات وتعزيز النفوذ الاقتصادي والاستراتيجي.
ومن هذه الزاوية، تكتسب الصحراء المغربية أهمية تتجاوز بعدها المجالي، بالنظر إلى موقعها الأطلسي والإفريقي، وإمكاناتها الاقتصادية واللوجستية والطاقية.
فالرهان الاستراتيجي يتمثل في تحويل الموقع الجغرافي إلى قيمة جيو-اقتصادية، والمؤهلات الطبيعية إلى روافع إنتاجية، والبنيات التحتية إلى أدوات للاندماج الإقليمي والدولي.
إن التمكين الجيوسياسي لا يتحقق بمجرد الحضور في المجال، بل بالقدرة على بناء شروط الفعل داخله والتأثير في محيطه. وهنا تتجلى أهمية الربط بين التنمية الترابية والامتداد الإفريقي والواجهة الأطلسية، باعتبارها مكونات متكاملة في بناء موقع استراتيجي منتج للمصالح والشراكات.
ثانياً : البعد التنموي.. من اقتصاد الموارد إلى اقتصاد الممكنات
إن أحد الاختلالات الجوهرية في تدبير التنمية يكمن في الخلط بين امتلاك الموارد والقدرة على إنتاج الثروة. فقد تتوفر المجالات الترابية على مؤهلات طبيعية واستثمارية مهمة، لكنها لا تحقق بالضرورة تنمية مستدامة ما لم تتوفر لديها الكفاءات والمؤسسات والقدرات التكنولوجية والتدبيرية اللازمة لتثمين تلك المؤهلات.
لذلك، فإن استراتيجية التمكين تقتضي الانتقال من اقتصاد قائم على استهلاك الموارد إلى اقتصاد قائم على إنتاج القيمة المضافة.
وفي حالة الصحراء المغربية، يقتضي ذلك بناء منظومة اقتصادية متكاملة ترتكز على :
* تثمين المؤهلات البحرية والطاقية والاقتصادية.
* تنويع النسيج المقاولاتي وتشجيع المبادرة المحلية.
* ربط الجامعة والبحث العلمي بحاجيات التنمية الترابية.
* تمكين الشباب والكفاءات من فرص المشاركة والإنتاج.
* تحقيق التكامل بين الاستثمار والبنيات التحتية والتشغيل.
* ضمان الاستدامة البيئية والعدالة المجالية.
فالمعيار الحقيقي لنجاح التنمية ليس فقط حجم الأموال المستثمرة، وإنما حجم القدرات التي تنتجها، ومقدار القيمة المضافة التي تخلقها، ومدى انعكاسها على حياة السكان.
ثالثاً : البعد المؤسساتي والمجتمعي.. التمكين باعتباره إعادة توزيع للقدرة على الفعل
لا يمكن تصور تمكين تنموي حقيقي دون تمكين مؤسساتي ومجتمعي. فالمؤسسات ليست مجرد هياكل إدارية لتدبير السياسات العمومية، وإنما فضاءات لإنتاج القرار وتحمل المسؤولية وصناعة المبادرة.
ومن ثم، فإن التمكين يقتضي الانتقال من مركزية تدبير المشاريع إلى توسيع القدرة المحلية على المبادرة والابتكار والتدبير والتقييم. كما يقتضي جعل الإنسان المحلي محوراً للعملية التنموية، ليس باعتباره مستفيداً من البرامج والمشاريع فحسب، بل باعتباره شريكاً في تحديد الأولويات وصناعة القرار وإنتاج الثروة.
وفي هذا السياق، تكتسب الجامعة ومؤسسات البحث العلمي والمجتمع المدني والهيئات المهنية أدواراً استراتيجية في بناء الرأسمال البشري والاجتماعي، وتعزيز الثقة المؤسساتية، وتوسيع قاعدة المشاركة.
فالتمكين الحقيقي لا يمنح الإنسان موقعاً داخل التنمية فقط، بل يمنحه القدرة على صناعة التنمية والتأثير في اتجاهاتها.
رابعاً: البعد الدبلوماسي والسياسي.. من شرعية الإنجاز إلى قوة الترافع
تتطلب قضية الصحراء المغربية مقاربة استراتيجية تجمع بين المسار السياسي والدبلوماسي والدينامية التنموية والمؤسساتية.
فالتنمية ليست بديلاً عن التسوية السياسية، كما أن الترافع الدبلوماسي لا ينفصل عن قدرة الدولة على تقديم نموذج تنموي ذي نتائج قابلة للقياس والتقييم. ومن هنا، تبرز أهمية التكامل بين المبادرة المغربية للحكم الذاتي، باعتبارها مقترحاً للتفاوض بشأن حل سياسي، وبين البناء التنموي والمؤسساتي للأقاليم الجنوبية.
وقد حددت المبادرة المغربية لسنة 2007 اختصاصات إقليمية مقترحة تشمل التنمية الاقتصادية والتخطيط الترابي والاستثمار والتشغيل والتعليم والصحة والبنيات التحتية، مع احتفاظ الدولة باختصاصات السيادة والدفاع والعلاقات الخارجية.
كما أن قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025 دعا إلى إجراء المفاوضات على أساس المقترح المغربي للحكم الذاتي، في أفق التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول من الأطراف، مع التأكيد على مبدأ تقرير المصير.
وعليه، فإن التحدي يتمثل في جعل التنمية والمؤسسات والمشاركة المجتمعية عناصر داعمة لمسار التسوية، دون الخلط بين الإنجاز التنموي والحسم السياسي والدبلوماسي.
خامساً: معضلة التمكين.. كيف ننتقل من الإمكانيات إلى الممكنات؟
لعل السؤال الاستراتيجي الأكثر عمقاً ليس : ماذا نمتلك؟ وإنما : ماذا نستطيع أن نفعل بما نمتلك؟ وهذا السؤال يضعنا أمام ثلاث معادلات أساسية :
1. معادلة الإمكانيات : امتلاك الموارد والكفاءات والمعرفة والوسائل.
2. معادلة الممكنات : تحرير الطاقات وإزالة العوائق وتوفير شروط المبادرة والإبداع والإنتاج.
3. معادلة التمكين : تحويل الإمكانيات والممكنات إلى قدرات مؤسساتية واقتصادية ومجتمعية مستدامة.
وهنا ينبغي الانتباه إلى أن كثرة الإمكانيات لا تعني بالضرورة تحقق التمكين؛ فقد تمتلك الدولة الموارد دون أن تمتلك كفاءة استثمارها، وقد تنجز المشاريع دون أن تنتج مجتمعاً قادراً على مواصلة البناء والتطوير.
لذلك، فإن جوهر الاستراتيجية يكمن في الانتقال من منطق توفير الشروط إلى منطق إنتاج القدرة، ومن منطق الإنجاز الظرفي إلى منطق الاستدامة
خاتمة: الصحراء المغربية واختبار فلسفة التمكين
إن الصحراء المغربية تمثل مجالاً مهماً لاختبار فلسفة التمكين في أبعادها الجيوسياسية والتنموية والمؤسساتية والمجتمعية. فالرهان لا يتوقف عند تثمين المؤهلات الطبيعية والمجالية، ولا عند تعبئة الاستثمارات وإنجاز البنيات التحتية، وإنما يتجاوز ذلك إلى بناء مجال منتج للقوة الاقتصادية والمعرفة والابتكار، وقادر على صناعة شروط تنميته واستدامة مكتسباته.
إن الانتقال الاستراتيجي المنشود هو الانتقال من امتلاك الإمكانيات إلى إطلاق الممكنات، ومن استثمار الموارد إلى إنتاج القيمة، ومن تدبير المجال إلى تمكين الإنسان والمؤسسات والمجتمع.
فالدول لا تصنع مستقبلها بما تمتلكه فقط، وإنما بما تستطيع أن تحوّله إلى واقع. والمجالات الترابية لا تكتسب قوتها بما تختزنه من ثروات، وإنما بما تنتجه من قدرات وممكنات. و هنا تكمن الفلسفة العميقة للتمكين :
أن تتملّك الإمكانيات حتى لا تكون رهيناً لغيرك، وأن تطلق الممكنات حتى لا تكون أسيراً لما هو متاح، وأن تصنع القوة حتى لا يظل مستقبلك مجرد احتمال. كما يمكن اختزال الأطروحة المركزية لهذا التصور في المعادلة التالية:
تملّك الإمكانيات ← إطلاق الممكنات ← بناء القدرات ← إنتاج القوة ← تحقيق التمكين المستدام.
وهذه ليست مجرد مراحل إجرائية، بل منظومة تفكير استراتيجي تجعل من الإنسان والمجال والمؤسسات عناصر متكاملة في صناعة المستقبل…
تعليقات الزوار