من خمسة إلى عشرة دراهم.. هل أصبح جيب المواطن المراكشي الحل الأسهل لأزمة سيارات الأجرة؟

هبة زووم – مراكش
لم يعد استعمال سيارة الأجرة بمدينة مراكش، بالنسبة إلى عدد من المواطنين، مجرد وسيلة عادية للتنقل بين الأحياء والمرافق، بل تحول في كثير من الأحيان إلى تجربة محفوفة بالتساؤلات والإكراهات؛ تبدأ بمدى استعداد السائق لتشغيل العداد، ولا تنتهي عند قبول الوجهة التي يطلبها الزبون أو تحديد المبلغ الذي سيتعين عليه أداؤه مقابل رحلة قصيرة.
وفي خضم هذه الإشكالات التي تطبع علاقة المواطن بقطاع سيارات الأجرة، يبرز اليوم مطلب جديد يثير نقاشاً واسعاً، بعدما طالب ممثلو بعض مهنيي سيارات الأجرة الصغيرة بمراكش برفع الحد الأدنى للتعريفة من خمسة إلى عشرة دراهم، في خطوة من شأنها مضاعفة الكلفة الدنيا للتنقل، وإضافة عبء جديد على ميزانيات الأسر والمواطنين.
قد تبدو الزيادة المقترحة، في نظر المدافعين عنها، مجرد استجابة لارتفاع تكاليف الاستغلال ومصاريف الصيانة والوقود، لكنها من زاوية المستهلك تعني زيادة بنسبة مائة في المائة في الحد الأدنى الحالي، وليس مجرد تعديل بسيط في التسعيرة.
وهنا يفرض السؤال نفسه: هل أصبح المواطن المغربي قادراً على استيعاب زيادات متتالية في مختلف الخدمات، أم أن قدرته على التحمل باتت تُعامل كما لو كانت مورداً لا ينضب؟
لا يمكن، بطبيعة الحال، تجاهل الصعوبات التي يعيشها سائقو سيارات الأجرة، فهم بدورهم جزء من واقع اقتصادي مثقل بارتفاع الأسعار وتكاليف التشغيل، فالوقود وقطع الغيار والصيانة والتأمين، فضلاً عن الازدحام المروري الذي قد يحول مسافة قصيرة إلى رحلة تستغرق وقتاً طويلاً، كلها عوامل تؤثر في مردودية العمل اليومي وتزيد من الأعباء المهنية.
كما أن وضعية السائقين ليست متشابهة؛ فهناك من يشتغل لحساب مالك السيارة، ومن يتحمل التزامات مهنية مختلفة، ومن يجد نفسه أمام مداخيل غير مستقرة وظروف عمل لا توفر دائماً الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي. وهي معطيات تستوجب الإنصات إلى المهنيين والتعامل بجدية مع مطالبهم المشروعة.
لكن الاعتراف بهذه الإكراهات لا يعني بالضرورة تحويل الراكب إلى الطرف الوحيد المطالب بأداء فاتورة الأزمة، فالمواطن الذي يستعمل سيارة الأجرة ليس بمنأى عن موجة الغلاء، بل يواجه بدوره ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وتكاليف السكن، وفواتير الماء والكهرباء، ومصاريف العلاج والتعليم، فضلاً عن التزامات يومية لا تترك له هامشاً واسعاً للمناورة.
وبالنسبة إلى الموظف محدود الدخل أو العامل الذي يعتمد على سيارات الأجرة في تنقلاته اليومية، فإن رفع الحد الأدنى للتعريفة لا يمثل زيادة عابرة، بل قد يتحول إلى عبء متراكم مع تكرار الرحلات خلال الأسبوع والشهر. والأمر نفسه ينطبق على الطلبة والمتقاعدين وسائر الفئات التي تضطر إلى استعمال هذه الوسيلة دون أن تتوفر لها بدائل نقل مناسبة أو أقل كلفة.
والأكثر إلحاحاً في هذا النقاش أن مطلب مراجعة التعريفة يأتي في سياق لا تزال فيه شكاوى المواطنين بشأن جودة الخدمة وطريقة تدبيرها مطروحة؛ من رفض بعض السائقين نقل الركاب إلى وجهات معينة، إلى الخلاف حول تشغيل العداد، مروراً بما يثار بشأن فرض مبالغ غير واضحة أو انتقائية في التعامل مع الزبائن.
ومن ثم، فإن أي نقاش حول الزيادة في الأسعار ينبغي ألا ينفصل عن سؤال الإصلاح الشامل للقطاع. فلا يعقل أن يُطلب من المواطن أداء تعريفة أعلى دون أن يقابل ذلك تحسن ملموس في جودة الخدمة، واحترام للقواعد المنظمة للمهنة، وضمان حق الراكب في اختيار وجهته وأداء السعر القانوني دون مساومة أو مفاجآت.
إن مدينة مراكش، بما تعرفه من حركية سياحية واقتصادية وعمرانية، تحتاج إلى منظومة نقل حضري تستجيب لحاجيات سكانها وزوارها، وتقوم على التوازن بين الحقوق الاقتصادية للمهنيين والقدرة الشرائية للمستهلكين.
وهذا يقتضي تدخلاً تنظيمياً مسؤولاً لا يختزل مشاكل القطاع في مراجعة التسعيرة، بل يفتح النقاش حول شروط الاشتغال، ومراقبة جودة الخدمات، واحترام العداد، وتوحيد الممارسات المهنية، وتعزيز البدائل المتاحة للتنقل.
فإذا كان من حق سائق سيارة الأجرة أن يطالب بظروف عمل منصفة وتعريفة تراعي تكاليف المهنة، فمن حق المواطن أيضاً أن يحصل على خدمة واضحة ومنظمة، وأن يعرف مسبقاً ما سيدفعه، وألا يتحول كل مشوار إلى مفاوضة مفتوحة.
المعادلة الحقيقية ليست في الانتصار لطرف على حساب آخر، وإنما في إيجاد صيغة عادلة تحفظ كرامة المهني وتصون القدرة الشرائية للمواطن، أما أن يصبح جيب الراكب الحل الأسهل لكل أزمة، فذلك لن يؤدي إلا إلى تعميق التوتر وفقدان الثقة في خدمة يفترض أن تكون جزءاً من المرفق الحضري المنظم.
وفي انتظار توضيح الموقف الرسمي من مطلب الزيادة، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل تحتاج مراكش فعلاً إلى رفع تعريفة سيارات الأجرة قبل معالجة اختلالات الخدمة، أم أن الإصلاح ينبغي أن يبدأ أولاً من احترام القانون وتحسين جودة النقل وضمان حقوق السائق والراكب معاً؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد