هبة زووم – الرباط
عاد ملف شركة “سامير” لتكرير البترول إلى واجهة النقاش العمومي، بعدما أثار الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري تساؤلات بشأن استمرار إغلاق المصفاة لسنوات، معتبراً أن القضية لم تعد مجرد نزاع تجاري أو ملف مرتبط بتصفية شركة متعثرة، بل أصبحت مرتبطة باختيارات المغرب في مجال الأمن الطاقي، وبمدى قدرة الدولة على حماية المصالح الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين.
وفي تدوينة جديدة، عبّر الكنبوري عن قناعة مفادها أن استمرار توقف الشركة لا يمكن التعامل معه باعتباره وضعاً عادياً، مشككاً في كفاية المبررات التي ظلت تُقدم لتفسير عدم استئناف نشاطها.
وذهب إلى أن مسؤولية الدولة تظل قائمة، بالنظر إلى الطابع الاستراتيجي للمصفاة وانعكاساتها المحتملة على منظومة التزود بالمحروقات وعلى الاقتصاد الوطني.
وطرح الباحث سؤالاً مباشراً حول قدرة الدولة على حسم هذا الملف، مستحضراً ما حققه المغرب من مكاسب على المستوى الدولي، ومتسائلاً عن أسباب تعثر معالجة قضية داخلية تتعلق بمؤسسة كانت مملوكة للدولة وتشكل جزءاً من بنيته الصناعية والطاقية.
ولم يتوقف الكنبوري عند حدود التساؤل عن أسباب استمرار الإغلاق، بل أثار احتمال وجود مصالح اقتصادية تستفيد من الوضع القائم، متسائلاً عما إذا كانت هناك جهات نافذة تفضل استمرار استيراد المنتجات المكررة بدل إعادة تشغيل طاقة التكرير المحلية.
كما فتح النقاش على البعد الدبلوماسي للتجارة الدولية، معتبراً أن اختيار مصادر شراء الطاقة لا تحكمه الاعتبارات الاقتصادية وحدها، بل قد تتداخل فيه حسابات العلاقات والمصالح بين الدول.
وهي تساؤلات تعيد إلى الواجهة إشكالية الشفافية في تدبير ملف “سامير”، لكنها تظل فرضيات طرحها صاحب التدوينة، ولا تشكل في حد ذاتها دليلاً على وجود تدخلات أو مصالح خفية وراء استمرار الإغلاق، فالحسم في هذه المسألة يقتضي معطيات موثقة حول بنية سوق المحروقات، ومصادر الاستيراد، وهوامش التكرير والتوزيع، فضلاً عن المسار القضائي والمالي للشركة.
وفي صلب موقفه، دعا الكنبوري إلى التفكير في إعادة تشغيل المصفاة ضمن تصور يضمن السيادة الطاقية للمغرب، ويتيح الاستفادة من القيمة المضافة التي يمكن أن يوفرها تكرير النفط الخام محلياً، بدل الاقتصار على استيراد المنتجات المكررة، كما اقترح إمكانية اعتماد صيغة للشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، بما يسمح بتعبئة الاستثمارات والخبرات الضرورية لإعادة بعث النشاط الصناعي للشركة.
ويكتسي هذا الطرح أهمية بالنظر إلى أن النقاش حول «سامير» يتجاوز مصير وحدة صناعية بعينها، ليشمل سؤالاً أوسع يتعلق بمدى تنويع مصادر التزود بالطاقة، وبناء قدرات وطنية للتكرير والتخزين، وتعزيز قدرة البلاد على مواجهة تقلبات الأسواق الدولية واضطرابات سلاسل الإمداد.
غير أن إعادة تشغيل المصفاة لا ترتبط بقرار سياسي منفرد فقط، إذ تطرح تحديات مالية وقانونية وتقنية، من بينها تسوية وضعية الأصول والالتزامات، وتوفير التمويل، وتقييم حالة المنشآت الصناعية، وتحديد النموذج الاقتصادي القادر على ضمان استمرارية النشاط في سوق شديدة التقلب، وهي عناصر تجعل من الضروري تقديم تصور رسمي واضح، بدل الاكتفاء بتبادل المواقف والتأويلات.
وتنتهي تدوينة الكنبوري إلى مساءلة جوهرية: إذا كانت الدولة تضع مشاريع ومخططات استراتيجية كبرى لتعزيز موقع المغرب الاقتصادي، فلماذا لا يكون مستقبل “سامير” جزءاً من نقاش وطني جدي حول الأمن الطاقي والصناعة المحلية؟ وهل جرى استنفاد جميع الخيارات الممكنة لإعادة تشغيلها، أم أن الملف ما زال يحتاج إلى قرار سياسي يوازن بين الإكراهات القانونية والمالية والمصلحة العامة؟
وبين فرضية المصالح الاقتصادية التي أثارها الباحث، والتحديات الواقعية التي تحيط بالشركة، يبقى المطلوب هو كشف المعطيات كاملة أمام الرأي العام، وتوضيح كلفة استمرار الإغلاق والبدائل المتاحة، حتى لا يظل مستقبل منشأة استراتيجية رهين الغموض، فيما يتحمل الاقتصاد الوطني والمستهلك تبعات اختيارات سوق الطاقة.
تعليقات الزوار