“حزب الليكود” بالمغرب.. الكنبوري يشكك في خلفيات المبادرة ويطرح أسئلة دستورية ودينية

هبة زووم – الرباط
أثار بلاغ متداول على مواقع التواصل الاجتماعي، يتحدث عن مبادرة لتأسيس حزب سياسي بالمغرب تحت اسم «حزب الوحدة» بالعربية و«حزب الليكود» بالعبرية، جدلاً واسعاً بشأن خلفيات هذه الخطوة ومدى جديتها، كما أعاد إلى الواجهة نقاشاً حساساً حول التطبيع مع إسرائيل، والمرجعية الدينية للدولة، وحدود دلالات مؤسسة إمارة المؤمنين.
وفي هذا السياق، نشر الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري تدوينة توقف فيها عند مضمون البلاغ المتداول، معبراً عن تشكيكه في طبيعة المبادرة والجهات التي تقف وراءها، خصوصاً أن الوثيقة، بحسب ملاحظته، لا تتضمن أسماء الموقعين عليها رغم الإشارة إلى وجود «الموقعين أسفله».
وذهب الكنبوري إلى احتمال أن تكون المبادرة محاولة لجس نبض الرأي العام المغربي وقياس ردود الفعل قبل الانتقال إلى خطوات أخرى، رابطاً بين مضمون البلاغ وسياق العلاقات المغربية الإسرائيلية، وما أشار إليه من اتفاق ثلاثي وزيارات وقرارات ذات صلة.
وثيقة متداولة أم تأسيس قانوني؟
غير أن الجدل الذي رافق الوثيقة يستدعي التمييز بين مجرد إيداع مراسلة لدى الإدارة وبين تأسيس حزب سياسي وفق المساطر القانونية، فقد أفادت معطيات نشرتها صحيفة «الأيام 24» بأن الوثيقة المودعة لدى وزارة الداخلية يوم 3 نونبر 2026 تتعلق بمراسلة إدارية، وأن التوصل بها وتسليم وصل بالإيداع لا يعنيان قبول مضمونها أو الاعتراف بالمبادرة حزباً سياسياً قائماً.
كما أشارت المعطيات نفسها إلى أن القانون التنظيمي للأحزاب السياسية يمنع تأسيس الأحزاب على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جهوي، وهو ما يجعل الحديث عن تأسيس حزب بمرجعية دينية أو لغوية يستدعي فحصاً قانونياً دقيقاً، بعيداً عن الانطباعات التي أثارها الاسم المتداول.
إمارة المؤمنين.. قراءة الكنبوري لخطاب 2019
لكن النقطة الأكثر حساسية في تدوينة الكنبوري تتعلق باستناد البلاغ، وفق ما أورده الباحث، إلى الخطاب الملكي ليوم 30 مارس 2019، الذي ألقاه الملك محمد السادس خلال استقبال البابا فرانسيس بالرباط.
وفي هذا الصدد، أعاد الكنبوري طرح سؤال حول دلالة وصف الملك بأنه «أمير جميع المؤمنين، على اختلاف دياناتهم»، معتبراً أن هذا التعبير ينبغي فهمه في إطار حماية حرية ممارسة الشعائر الدينية، وليس باعتباره امتداداً لمؤسسة إمارة المؤمنين إلى البنية العقدية والفقهية للديانات الأخرى.
وبالرجوع إلى النص الرسمي للخطاب، يتضح أن الملك قال: «وبصفتي ملك المغرب، وأمير المؤمنين، فإنني مؤتمن على ضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية. وأنا بذلك أمير جميع المؤمنين، على اختلاف دياناتهم»، قبل أن يؤكد مسؤوليته عن ضمان حرية ممارسة الديانات السماوية وحماية اليهود المغاربة والمسيحيين المقيمين بالمغرب.
وهذا السياق يكتسب أهمية خاصة، لأنه يربط العبارة صراحة بمسؤولية حماية حرية المعتقد وممارسة الشعائر، وهو ما يختلف عن تقديمها باعتبارها إعلاناً عن تبني أتباع الديانات الأخرى لنظام إمارة المؤمنين بمعناه الديني والفقهي الخاص بالمرجعية الإسلامية.
الدستور وحماية حرية ممارسة الشعائر
واستحضر الكنبوري في تدوينته الفصل الثالث من الدستور المغربي، الذي ينص على أن «الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية»، معتبراً أن هذا المقتضى يحدد الإطار الدستوري الذي ينبغي أن تُفهم ضمنه حماية التعدد الديني بالمملكة.
وبينما يركز الباحث على ضرورة عدم الخلط بين الصفة الدينية لمؤسسة إمارة المؤمنين وبين مسؤولية الدولة في حماية حرية ممارسة الشعائر، فإن النقاش يظل محتاجاً إلى قراءة متكاملة للنصوص الدستورية والخطاب الملكي، بعيداً عن التأويلات التي تفصل العبارة عن سياقها.
كما انتقد الكنبوري ما اعتبره غياب توضيحات كافية بشأن دلالات هذا التعبير، محذراً من توظيفه سياسياً في سياقات قد تثير التباساً حول طبيعة المؤسسة الدينية بالمغرب.
بين حرية المعتقد والجدل السياسي
وتكشف هذه القضية عن تداخل ثلاثة ملفات حساسة: طبيعة النظام القانوني المنظم لتأسيس الأحزاب، وحدود النقاش حول العلاقات المغربية الإسرائيلية، ثم دلالات مؤسسة إمارة المؤمنين في علاقتها بالتعدد الديني الذي يميز المجتمع المغربي.
وفي انتظار أي توضيح رسمي بشأن الوثيقة المتداولة والجهات التي تقف وراءها، يبقى من الضروري عدم الخلط بين إيداع مراسلة إدارية والتأسيس القانوني لحزب، كما ينبغي التعامل مع الخطاب الملكي في سياقه الكامل، لا عبر اقتطاع عبارة منه وتحميلها دلالات لا يحسمها النص وحده.
وبينما يثير الكنبوري أسئلة فقهية ودستورية حول حدود مفهوم إمارة المؤمنين، فإن الجدل الأوسع يطرح سؤالاً آخر: كيف يمكن حماية الثوابت الدستورية والدينية للمملكة، مع ضمان حرية المعتقد وممارسة الشعائر، دون السماح بتحويل هذه القضايا الحساسة إلى أدوات للتوظيف السياسي أو إثارة الانقسام المجتمعي؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد