الصويرة.. تصوير تحركات معدات عسكرية ونشرها يثير أسئلة الأمن الرقمي والمسؤولية القانونية

هبة زووم – الصويرة
أعاد تداول مقاطع فيديو على إحدى الصفحات المحلية بمدينة الصويرة، توثق مرور معدات وآليات عسكرية مغربية عبر الطريق السيار، النقاش حول حدود حرية التصوير والنشر في الفضاء الرقمي، ومدى التزام بعض الصفحات الإلكترونية باستحضار حساسية المعطيات التي قد تكشفها الصور المرتبطة بتحركات التجهيزات العسكرية، وما يمكن أن يترتب عن تداولها من تداعيات أمنية محتملة.
وتأتي هذه الواقعة في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى التحلي باليقظة والمسؤولية عند تصوير أو نشر تحركات الآليات والمعدات العسكرية، بالنظر إلى أن بعض التفاصيل التي تبدو عادية في مقطع مصور، مثل توقيت التنقل أو المسار أو طبيعة التجهيزات، قد تكتسي أهمية خاصة تستدعي تقييمها من طرف الجهات المختصة.
والمثير في هذه الواقعة أن بعض الصفحات المحلية سارعت إلى تداول هذه المشاهد، دون أن يظهر أنها توقفت عند طبيعة المعطيات التي يمكن أن تكشفها، أو فكرت في حدود المصلحة الإخبارية من نشرها، مقارنة بما قد تثيره من تساؤلات أمنية. وهو ما يعيد إلى الواجهة إشكالية الخلط بين السبق في النشر والمسؤولية عن المحتوى.
لا خلاف اليوم حول أن حرية التعبير والنشر حق دستوري، وأن الفضاء الرقمي أصبح مجالاً أساسياً لتداول الأخبار والمعلومات، غير أن ممارسة هذا الحق تقتضي احترام القانون واستحضار طبيعة المحتوى والآثار المحتملة لنشره.
فليس كل ما تلتقطه عدسات الهواتف صالحاً بالضرورة للتداول العام، ولا يمكن التعامل مع جميع الصور ومقاطع الفيديو بالمنطق نفسه، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمعدات تابعة للمؤسسة العسكرية أو بمعطيات قد تكون لها اعتبارات أمنية خاصة.
كما أن إدارة صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي، مهما بلغ عدد متابعيها، لا تمنح صاحبها تلقائياً صفة الصحفي المهني أو المؤسسة الصحفية، ولا تعفيه في المقابل من المسؤولية القانونية عن المحتوى الذي ينشره، وفق طبيعة نشاطه والمقتضيات القانونية الواجبة التطبيق.
وفي ظل تداول هذه المقاطع، يبرز تساؤل بشأن مدى خضوعها لأي تقييم من طرف الجهات المختصة، وما إذا كانت تتضمن بالفعل معطيات ذات طبيعة أمنية حساسة، أم أنها لا تتجاوز توثيق مشاهد عامة لا يترتب عن نشرها أي ضرر.
ومن هذا المنطلق، يطرح السؤال حول مدى وجود ما يستدعي فتح بحث أو اتخاذ إجراءات قانونية، في حال كشفت عملية التقييم عن أفعال تتضمن شبهة مخالفة للقانون. فالنيابة العامة، باعتبارها الجهة المختصة قانوناً بالإشراف على الأبحاث القضائية وفق الضوابط المعمول بها، يمكن أن تتدخل متى توفرت المعطيات والأسس القانونية التي تبرر ذلك.
غير أن المطالبة بالتدخل لا ينبغي أن تتحول إلى دعوة لمتابعة أصحاب الصفحات لمجرد نشر مقاطع مصورة، إذ إن ترتيب أي مسؤولية قانونية يقتضي تحديد طبيعة المحتوى، والظروف المحيطة بتصويره وتداوله، ومدى انطباق نص قانوني واضح عليه، مع احترام قرينة البراءة وضمانات حرية التعبير.
ولا تقف الإشكالية عند حدود مدينة الصويرة، بل تندرج ضمن نقاش أوسع حول تنامي الصفحات المحلية التي تمارس أدواراً إخبارية وتواصلية، دون أن تكون الصفة القانونية أو المهنية للقائمين عليها واضحة في جميع الحالات، وهو ما يطرح تحديات مرتبطة بأخلاقيات النشر والتحقق من المعلومات وتقدير انعكاساتها.
فالمطلوب ليس التضييق على حرية التعبير أو استهداف صفحات بعينها، وإنما ترسيخ ثقافة رقمية تقوم على التمييز بين المعلومة ذات القيمة الإخبارية والمعطيات التي قد تستدعي الحذر قبل تداولها، إلى جانب تعزيز التوعية بمخاطر النشر غير المسؤول.
وفي المقابل، تظل الجهات المختصة مطالبة بتوضيح الضوابط القانونية المرتبطة بتصوير ونشر تحركات المعدات العسكرية، حتى لا تترك هذه المسألة للتأويلات والتخمينات، أو تتحول إلى مجال لإطلاق اتهامات دون سند قانوني.
إن الواقعة تفتح نقاشاً يتجاوز مجرد نشر مقطع فيديو على صفحة محلية، لتطرح أسئلة جوهرية حول الحدود الفاصلة بين حرية التصوير والنشر، والمسؤولية المترتبة عن تداول معطيات قد تكون لها حساسية أمنية.
فهل تستدعي هذه الواقعة توضيحاً من الجهات المختصة بشأن طبيعة المقاطع المتداولة؟ وهل هناك حاجة إلى تكثيف حملات التوعية بمخاطر نشر تفاصيل تحركات المعدات العسكرية؟ وأين تقف المسؤولية القانونية لأصحاب الصفحات عندما يتجاوز المحتوى حدود التوثيق العادي؟
أسئلة تستحق التوضيح والنقاش، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الاتهامات غير المؤسسة، لأن حماية المصلحة العامة لا تتعارض مع صون حرية التعبير، كما أن احترام هذه الحرية لا يلغي واجب التحلي بالمسؤولية.
ففي زمن النشر الفوري، لم يعد التحدي مقتصراً على سرعة الوصول إلى المعلومة، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بمدى الوعي بما ينبغي نشره، وكيفية نشره، والآثار التي قد تترتب عنه.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد