هبة زووم – أبو العلا العطاوي
تتجه الأنظار إلى وزارة الداخلية، في ظل تداول أخبار عن حركة تغييرات مرتقبة في صفوف الولاة والعمال، قد تندرج ضمن مرحلة جديدة لإعادة ترتيب البيت الداخلي لـ«أم الوزارات»، في انتظار ما ستكشف عنه القرارات الرسمية.
غير أن أهمية هذه الحركة لا ينبغي أن تختزل في أسماء المغادرين والمحتفظين بمناصبهم أو المستفيدين من الترقية، بل في السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا قدم هؤلاء المسؤولون خلال سنوات توليهم المسؤولية؟ وما الذي تغير فعلياً في حياة المواطنين؟
فإذا كانت الحركة المرتقبة تستهدف تجديد النخب الترابية وضخ دماء جديدة في الإدارة، فإنها مطالبة بأن تكون مناسبة لتقييم موضوعي للحصيلة، لا مجرد عملية لتبادل المواقع وإعادة توزيع الكراسي، فالمسؤولية الترابية ليست امتيازاً إدارياً مفتوح المدة، بل تكليف يرتبط بمدى القدرة على معالجة الملفات المتراكمة وتحريك عجلة التنمية وتحسين الخدمات والاستجابة لانشغالات الساكنة.
وفي بعض العمالات والولايات، بات الظهور المتكرر للمسؤولين في الصور ومقاطع الفيديو والزيارات الميدانية يثير نقاشاً حول الحدود الفاصلة بين التواصل المؤسساتي المشروع وبين تحويل الصورة إلى واجهة لتسويق الأداء، فقد أصبح المواطن، وهو يتصفح هاتفه، يطالع يومياً أخبار جولات تفقدية واجتماعات موسعة وزيارات لمشاريع، لكن السؤال الذي يظل معلقاً هو: ما الذي تحقق بعد كل هذه التحركات؟
لا أحد يعترض على توثيق الأنشطة الرسمية أو إخبار الرأي العام بما تقوم به الإدارة الترابية، فالتواصل والشفافية من متطلبات الحكامة الجيدة، لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول الصورة من وسيلة لإطلاع المواطنين على النتائج إلى غاية في حد ذاتها، وعندما تصبح اللقطة أهم من الورش، والزيارة أهم من معالجة الاختلال، وعدد مرات الظهور أهم من عدد الملفات التي وجدت طريقها إلى الحل.
فالمواطن لا يحتاج إلى مسؤول يظهر له كل يوم على شاشة هاتفه، بقدر ما يحتاج إلى إدارة يشعر بفعاليتها عندما تتعطل مصالحه، أو تتراكم شكاياته، أو يتأخر مشروع ينتظره منذ سنوات، ولا تعنيه كثيراً صورة العامل أمام لوحة مشروع بقدر ما تعنيه معرفة تاريخ انتهاء الأشغال، وكلفتها، وأسباب تأخرها، والجهة التي تتحمل المسؤولية عند ثبوت التقصير.
وتزداد أهمية هذا النقاش حين يتعلق الأمر بمسؤولين قضوا سنوات طويلة في مناصبهم، واقتربت مدة تدبير بعضهم من عقد كامل. فهذه المدة تفرض، من الناحية المؤسساتية، تقديم حصيلة واضحة: ما الذي تحقق في مجال الاستثمار؟ ماذا تغير في الخدمات الاجتماعية؟ كيف عولجت ملفات العقار والتعمير والنقل والبنيات التحتية؟ وهل نجحت الإدارة الترابية في مواكبة المشاريع أم اكتفت بتتبعها عبر الاجتماعات والتقارير؟
وفي هذا السياق، تبرز أسماء من قبيل الوالي أبهاي والعامل بوعاصم العالمين ضمن النقاش المتعلق بتقييم حصيلة المسؤولين الذين امتدت فترة تدبيرهم لسنوات، غير أن أي حكم على أدائهما، أو على أداء غيرهما من الولاة والعمال، يقتضي الرجوع إلى مؤشرات دقيقة وملفات محددة، ومقارنة الوعود بالنتائج، مع إتاحة المجال لتوضيح ما تحقق وأسباب ما تعثر.
إن المطلوب من وزارة الداخلية، إذا كانت بصدد مراجعة خريطة المسؤوليات الترابية، هو اعتماد معايير واضحة لاختيار من يستمر ومن يغادر ومن تتم ترقيته؛ معايير تجعل الكفاءة والنجاعة والقدرة على حل المشكلات في صدارة التقييم، بعيداً عن منطق العلاقات والصور والانطباعات.
فهل ستكون الحركة المرتقبة مناسبة لإنهاء زمن التسويق بالصورة والانتقال إلى زمن المحاسبة على الحصيلة؟ وهل ستضع الوزارة حداً لاستمرار بعض المسؤولين في مواقعهم رغم تراكم الملفات والأسئلة حول نتائج تدبيرهم؟ أم أن الأمر لن يتجاوز إعادة توزيع المواقع، بينما تظل معاناة المواطنين ومشاريعهم المتعثرة خارج حسابات التغيير؟
فالرهان الحقيقي ليس من سيغادر كرسيه ومن سيحتفظ به، بل من يستطيع أن يقدم دليلاً ملموساً على أنه استحق المسؤولية وخدم الصالح العام.
تعليقات الزوار