هبة زووم – الرباط
في قراءة نقدية حادة للسياسة الأميركية، ربط الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي بين تداعيات الحرب على إيران والارتدادات السياسية الداخلية التي تواجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، معتبراً أن السياسات العسكرية والضغوط الاقتصادية التي انتهجتها إدارته في عدد من مناطق العالم راكمت كلفة إنسانية وسياسية لا يمكن فصلها عن تراجع صورته وموقعه داخل الولايات المتحدة.
وفي تدوينة نشرها بهذا الخصوص، قدّم اليحياوي قراءة سياسية تتجاوز الملف الإيراني، مستحضراً ما وصفه بتبعات التدخلات الأميركية والحروب والحصار في العراق واليمن وغزة ولبنان وسوريا، إلى جانب الضغوط المفروضة على كوبا وفنزويلا، والانتقادات التي يوجهها إلى تعامل واشنطن مع حلفائها وخصومها على حد سواء.
واعتبر الباحث أن الحرب على إيران لم تعد مجرد مواجهة خارجية، بل تحولت، وفق تحليله، إلى عامل ضغط على الداخل الأميركي، رابطاً بينها وبين ما وصفه بالهزيمة الانتخابية التي تحدث عنها ترامب. ويرى اليحياوي أن الانخراط في الحروب الخارجية وتوسيع دائرة المواجهة قد تكون لهما كلفة سياسية مباشرة، خصوصاً عندما تتعارض الأولويات العسكرية مع انتظارات قطاعات من الناخبين الأميركيين.
وتتضمن التدوينة انتقاداً شديداً لما يعتبره نزوعاً نحو فرض الإرادة الأميركية على الدول الأخرى، عبر الحصار والضغط الاقتصادي والتهديد العسكري، معتبراً أن هذه المقاربة لا تكتفي بإضعاف خصوم واشنطن، بل تترك آثاراً واسعة على المدنيين والاستقرار الإقليمي.
ومن بين أكثر النقاط إثارة للقلق في تدوينة اليحياوي، توقفه عند التهديدات المرتبطة بإمكانية استخدام السلاح النووي ضد إيران، وما يرافقها من خطاب يتحدث عن تدمير إيران بوصفها حضارة. واعتبر الباحث أن هذا المستوى من التصعيد يتجاوز حدود التنافس السياسي والعسكري، ويضع المنطقة والعالم أمام مخاطر بالغة الخطورة.
وتعيد هذه الانتقادات طرح سؤال حدود القوة العسكرية في السياسة الدولية، ومدى خضوع قرارات الحرب والتهديد باستخدام أسلحة الدمار الشامل لمقتضيات القانون الدولي وحماية المدنيين. فالتلويح بالتصعيد النووي، أياً كانت الجهة التي يصدر عنها، يفتح الباب أمام تداعيات لا يمكن حصرها في طرفي النزاع.
كما انتقد اليحياوي ما اعتبره نمطاً في تعامل ترامب مع الحلفاء، يقوم على الضغط والإهانة والتراجع عن الالتزامات، بدل بناء علاقات قائمة على الثقة والتنسيق. وربط ذلك، في تدوينته، بصورة أوسع لسياسة خارجية يرى أنها تتعامل مع الدول بمنطق الولاء أو المواجهة.
ولم يغفل الباحث البعد الداخلي للسياسة الأميركية، إذ أشار إلى الانتقادات المرتبطة بتضخم ثروة عائلة ترامب ومحيطه، مقابل الضغوط الاقتصادية التي تواجه فئات من الأميركيين، مستحضراً الشعارات السياسية التي رفعتها المعارضة الديمقراطية في مواجهة ما تصفه بالفساد والاستبداد.
وفي خاتمة تدوينته، لم يعزُ اليحياوي اندفاعات ترامب إلى شخصيته السياسية وحدها، بل أشار إلى ما اعتبره تأثيراً إسرائيلياً في توجيه جانب من السياسات الأميركية، خصوصاً في ما يتعلق بالمواجهة مع إيران.
ويطرح هذا الموقف نقاشاً واسعاً بشأن طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، وحدود تأثير المصالح والتحالفات والضغوط السياسية في صناعة القرار الأميركي. غير أن تحديد حجم هذا التأثير يظل مسألة تحتاج إلى تحليل موثق للقرارات والمؤسسات ومراكز النفوذ، ولا يمكن اختزالها في تفسير أحادي.
وتكشف تدوينة اليحياوي، في مجملها، عن موقف نقدي يعتبر أن القوة العسكرية والاقتصادية لا تمنح الدول حصانة من المساءلة السياسية والأخلاقية، وأن الحروب والحصار والتهديدات قد ترتد آثارها على أصحاب القرار، سواء عبر تراجع الثقة الداخلية أو تعقيد العلاقات الدولية.
وبين كلفة الحروب في الخارج وتداعياتها على الداخل الأميركي، يظل السؤال الأوسع مطروحاً: إلى أي حد تستطيع واشنطن الاستمرار في سياسة المواجهة والضغط دون أن تتحول نتائجها الإنسانية والاستراتيجية إلى عبء على مكانتها ومصالحها؟
تعليقات الزوار