هبة زووم – الرباط
في قراءة نقدية حادة للعلاقة بين الحسابات الانتخابية والسياسات العسكرية، وجّه الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري انتقادات قوية للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، معتبراً أن الحملات الانتخابية في البلدين تتحول، وفق توصيفه، إلى ساحة للتنافس في إطلاق التهديدات العسكرية وتقديم الوعود المتشددة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط والشعوب الواقعة تحت الاحتلال أو التي تعيش في بؤر التوتر.
وفي تدوينة جديدة، يضع الكنبوري ما يعتبره مفارقة سياسية وأخلاقية في قلب النقاش حول الديمقراطية والانتخابات؛ إذ يرى أن الاستحقاقات الانتخابية التي يفترض أن تتيح التنافس حول البرامج الاقتصادية والاجتماعية والسياسات العمومية، تتحول في الولايات المتحدة وإسرائيل إلى مناسبة لاستعراض القوة والتلويح بالحرب، وكأن التصعيد العسكري أصبح جزءاً من أدوات استمالة الناخبين.
ويستند الباحث في طرحه إلى ما وصفه بالتهديدات الأمريكية تجاه إيران، وإلى الخطاب المتشدد الذي يتبناه بعض المرشحين الإسرائيليين تجاه الفلسطينيين، معتبراً أن التنافس السياسي في البلدين يكشف، في نظره، عن حضور قوي للمنطق العسكري في حسابات الوصول إلى السلطة أو الحفاظ عليها.
ينطلق الكنبوري من فكرة أن الانتخابات لا تُقاس فقط بوجود صناديق الاقتراع وتعدد المرشحين، بل كذلك بطبيعة البرامج التي يجري التنافس بشأنها، وبالحدود الأخلاقية والسياسية التي تضبط الخطاب الانتخابي.
ومن هذا المنظور، ينتقد الباحث ما يعتبره توظيفاً للتهديدات العسكرية في الحملات السياسية، حيث تتحول الحرب، بدل أن تكون خياراً استثنائياً يخضع لحسابات القانون والمصلحة العامة وتداعياته الإنسانية، إلى وسيلة لإظهار الحزم واستعراض القوة أمام الناخبين.
ويثير هذا الطرح سؤالاً يتجاوز الحالة الأمريكية والإسرائيلية: إلى أي حد يمكن للخطاب الانتخابي أن يساهم في تطبيع فكرة الحرب، عندما يصبح التصعيد تجاه دولة أخرى أو التهديد بتوسيع العمليات العسكرية وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية داخلية؟
فحين يتنافس السياسيون في إطلاق مواقف أكثر تشدداً، قد تتراجع مساحة النقاش حول كلفة الحرب على المدنيين، وانعكاساتها الاقتصادية والإنسانية، ومخاطر توسيع دائرة المواجهة في منطقة تعاني أصلاً من صراعات متشابكة.
ويضع الكنبوري القضية الفلسطينية في صلب انتقاده للسياسات الإسرائيلية، معتبراً أن الوعود الانتخابية التي تقوم على تشديد العمليات العسكرية أو استهداف الفلسطينيين تكشف عن تغليب الاعتبارات الأمنية والعسكرية على فرص التسوية السياسية واحترام الحقوق.
كما يربط الباحث بين النفوذ الأمريكي والإسرائيلي وبين استمرار الصراع في الشرق الأوسط، متهماً الطرفين بالمساهمة في إنتاج بيئة إقليمية تتداخل فيها الحروب والاحتلالات والتدخلات الخارجية مع المصالح الاستراتيجية.
ويذهب الكنبوري إلى أبعد من ذلك، حين يعتبر أن الشرق الأوسط يشكل محوراً ثابتاً في حسابات القوى المتنافسة، بسبب موقعه الجغرافي وثرواته ومكانته الاستراتيجية. ويختصر هذا التصور في سلسلة من الأسئلة السياسية المباشرة: من يسيطر على المنطقة؟ ومن يتحكم في ثرواتها؟ ومن يحدد طبيعة الأنظمة الحاكمة فيها؟
وتعكس هذه الأسئلة، وفق مقاربة الباحث، شكوكاً في أن تكون السياسات المعلنة بشأن الأمن والاستقرار منفصلة عن حسابات النفوذ والمصالح الاقتصادية والاستراتيجية.
الجانب الأكثر حدة في تدوينة الكنبوري يتعلق باستخدام مفهوم الإرهاب في العلاقات الدولية. إذ يرى أن القوى الكبرى لا تكتفي، بحسب طرحه، بممارسة النفوذ العسكري والسياسي، بل تسعى أيضاً إلى التأثير في تعريف الإرهاب وتحديد الجهات التي تُدرج ضمنه، بما يسمح لها بتصنيف الفاعلين بين أعداء وحلفاء وفق حسابات القوة والمصلحة.
ويعتبر الباحث أن هذا الاستخدام السياسي للمفهوم أسهم في خلق تناقضات داخل المنطقة العربية والإسلامية، حيث جرى، في حالات متعددة، توظيف شعار مكافحة الإرهاب لتبرير تدخلات عسكرية أو لإقامة تحالفات أو لتصنيف حركات وفاعلين سياسيين.
غير أن هذه المسألة تظل بحاجة إلى التمييز بين النقد المشروع للاستخدام الانتقائي لمفهوم الإرهاب وبين حقيقة أن استهداف المدنيين عمداً والعنف ضد الأبرياء لا يفقدان خطورتهما بسبب هوية مرتكبيهما أو مواقف القوى الدولية منهم. فالمعيار العادل يقتضي تطبيق القانون على الجميع، بعيداً عن ازدواجية المعايير أو منح أي طرف حصانة سياسية وأخلاقية.
تفتح تدوينة الكنبوري نقاشاً أوسع بشأن حدود الديمقراطية الانتخابية عندما تتقاطع المنافسة الداخلية مع قضايا الحرب والسلم. فوجود انتخابات تنافسية لا يعني بالضرورة أن السياسات الخارجية ستكون عادلة أو خالية من النزعات التوسعية، كما أن الاحتكام إلى صناديق الاقتراع لا يعفي الحكومات من مسؤولية احترام القانون الدولي وحماية المدنيين.
وفي المقابل، فإن تعميم وصف واحد على جميع المرشحين أو البرامج الانتخابية في بلد معين يحتاج إلى فحص دقيق للخطابات والمواقف والوقائع، لأن المشهد السياسي الأمريكي والإسرائيلي يضم تيارات ومواقف مختلفة، وإن كان بعضها يتبنى بالفعل خطاباً متشدداً تجاه الخصوم الإقليميين أو الفلسطينيين.
وتبقى الرسالة المركزية في موقف الكنبوري أن الانتخابات لا ينبغي أن تتحول إلى تفويض مفتوح بالتصعيد العسكري، وأن شرعية الوصول إلى السلطة لا تمنح أصحابها حق التهديد بحياة الشعوب أو التعامل مع ثرواتها ومصائرها باعتبارها أوراقاً في صراع النفوذ.
وبين لغة الحملات الانتخابية وحسابات الجغرافيا السياسية، يظل السؤال الذي يطرحه الباحث ملحاً: هل تتنافس القوى الكبرى على تقديم حلول تضمن الأمن والحقوق والاستقرار، أم أن بعض الاستحقاقات الانتخابية باتت تمنح التصعيد والحرب مساحة أكبر من فرص السلام؟
سؤال يضع الخطاب السياسي أمام امتحان حقيقي، عنوانه أن الديمقراطية لا تكتمل بصناديق الاقتراع وحدها، بل تتطلب أيضاً مسؤولية في استعمال القوة، واحتراماً لحقوق الشعوب، ورفضاً لتحويل الحروب إلى أدوات للمزايدة الانتخابية.
تعليقات الزوار