“القوة والكرامة والاستقلال”.. اليحياوي يفكك معركة المشروع النووي الإيراني

هبة زووم – الرباط
أعاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي فتح النقاش حول الملف النووي الإيراني، من زاوية تتجاوز السجال التقليدي بشأن التسلح والانتشار النووي، لتطرح أسئلة أوسع حول الحق في امتلاك التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية، وحدود الضغوط الدولية، والمعايير التي تتحكم في تحديد من يحق له امتلاك عناصر القوة العلمية والتكنولوجية.
وفي تدوينة اتسمت بنبرة نقدية واضحة، اعتبر اليحياوي أن الموقف الأميركي والإسرائيلي من البرنامج النووي الإيراني لا يقتصر، في نظره، على منع طهران من تطوير سلاح نووي، بل يمتد إلى المطالبة بتفكيك المشروع النووي برمته، بما يشمل منشآته المدنية والعلمية، وما راكمته إيران من خبرات بشرية وتقنية على مدى عقود.
ويرى الباحث أن جوهر الإشكال يكمن في الخلط بين الاستخدامات العسكرية للتكنولوجيا النووية واستخداماتها السلمية، التي تشمل البحث العلمي وإنتاج النظائر الطبية والمساهمة في تشخيص الأمراض وعلاجها، فضلاً عن تطبيقات أخرى في مجالات الصناعة والطاقة والزراعة. ومن هذا المنطلق، يطرح اليحياوي سؤالاً حول مدى مشروعية مطالبة دولة بالتخلي عن قدراتها العلمية المدنية، بدعوى المخاوف المرتبطة بإمكانية توظيفها عسكرياً.
غير أن النقاش القانوني بشأن الملف النووي الإيراني يظل أكثر تعقيداً من ثنائية الحق والمنع؛ فمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية تقر بحق الدول الأطراف في تطوير الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، لكنها تربط ذلك بالتزامات المعاهدة وبنظام الضمانات والرقابة الدولية. ولذلك، فإن التمييز بين البرنامج المدني والأنشطة العسكرية المحتملة، والتحقق من طبيعة الأنشطة النووية، يظلان عنصرين أساسيين في أي نقاش جاد حول الملف.
وفي قراءته السياسية، يربط اليحياوي بين الضغوط المفروضة على إيران وبين صراع أوسع حول امتلاك القوة والاستقلال في القرار. ويستحضر في هذا السياق تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن العلاقة بين القوة والحرية، معتبراً أن طهران يمكن أن ترد على هذا المنطق من منطلق أن امتلاك عناصر القوة شرط لحماية السيادة الوطنية وعدم الارتهان لإرادة القوى الخارجية.
ويذهب اليحياوي إلى أن إيران راكمت خبرات علمية وتقنية وكوّنت أطرًا متخصصة في مجال التكنولوجيا النووية، وهو ما يجعل التخلي عن هذا المسار، وفق قراءته، مسألة تتجاوز إغلاق المنشآت أو وقف أنشطة بعينها، لتطال مستقبل البحث العلمي وقدرة البلاد على تطوير إمكاناتها الذاتية، ومن هنا، يخلص إلى أن البرنامج النووي يمثل بالنسبة إلى طهران ورقة مرتبطة بمفهوم القوة والاستقلال والكرامة الوطنية.
وبين هذه الاعتبارات، يضع اليحياوي الملف الإيراني في سياق ما يعتبره تفاوتاً في التعامل الدولي مع قضايا القوة والسيادة. وهي زاوية تطرح سؤالاً سياسياً أساسياً: هل يجري تطبيق قواعد عدم الانتشار النووي وفق معايير موحدة، أم أن حسابات التحالفات وموازين القوى تؤثر في طريقة التعامل مع البرامج النووية المختلفة؟
في المحصلة، لا يتعلق النقاش حول إيران بالمفاعلات والمنشآت وحدها، بل يمتد إلى العلاقة بين المعرفة العلمية والسيادة الوطنية، وبين الحق في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية ومتطلبات الأمن الدولي. وهي معادلة تظل مفتوحة على التجاذب، ما دامت الأطراف المعنية لم تتوصل إلى تسوية تضمن الرقابة على الالتزامات النووية، وتحفظ في الوقت نفسه مجال التطور العلمي السلمي.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد