في عهد الوالي أبهاي.. كلميم واد نون تحتاج إلى سلطة تنصت للمواطن لا إلى إدارة تكتفي بالبروتوكول

هبة زووم – علال الصحراوي
ليست هيبة السلطة في فخامة المكاتب، ولا في عدد المواكب الرسمية، ولا في الصور التي توثق اللقاءات والزيارات، بل في الطريقة التي يُعامل بها المواطن، وفي قدرة المسؤول على تحويل نفوذه الإداري إلى خدمة عمومية تحفظ الكرامة وتضمن الحقوق.
ومن هذه الزاوية، يفرض تدبير الشأن الترابي بجهة كلميم واد نون نقاشاً يتجاوز لغة البروتوكول والتقارير الرسمية إلى سؤال جوهري: هل تنعكس سلطة القرار فعلياً على حياة المواطنين، أم تظل المسافة قائمة بين الإدارة والشارع؟
وفي عهد والي جهة كلميم واد نون وعامل إقليم كلميم، الناجم أبهاي، تبرز أهمية إخضاع أداء الإدارة الترابية لمعيار النتائج والإنصات والمساءلة، بعيداً عن الأحكام الجاهزة التي تضع جميع رجال السلطة في سلة واحدة، وبعيداً أيضاً عن أي تصور يمنح المسؤولين حصانة معنوية لمجرد شغلهم مناصب إدارية.
من الظلم اختزال الإدارة الترابية في صورة موحدة، كما أن من الخطأ اعتبار كل مسؤول نموذجاً للكفاءة لمجرد ارتدائه عباءة السلطة. ففي كل جهاز إداري كفاءات تشتغل بتفانٍ، وتتحمل مسؤولياتها الميدانية، وتتعامل مع المواطنين بروح الخدمة؛ وفي المقابل، قد تظهر ممارسات تحتاج إلى التصحيح والمساءلة متى ثبت تجاوزها للقانون أو مساسها بكرامة المرتفقين.
وهنا تحديداً تتجلى مسؤولية الرؤساء الإداريين: ليس فقط في تدبير الملفات اليومية، بل أيضاً في التمييز بين المسؤول الذي يجعل الإدارة قريبة من المواطنين، وآخر يحول المساطر إلى حواجز، والتواصل إلى امتياز، والسلطة إلى مسافة تفصل بينه وبين الناس.
فالمفهوم الجديد للسلطة لا يُقاس بما يرد في الخطب والبلاغات، وإنما بما يلمسه المواطن حين يقصد الإدارة لقضاء غرض مشروع، أو حين يطلب الإنصاف، أو حين يواجه مشكلة تستوجب تدخلاً سريعاً ومسؤولاً.
إن معيار نجاح رجل السلطة لا يكمن في كثافة الأنشطة الرسمية ولا في أناقة التقارير، بل في مدى قدرته على الإنصات إلى الانشغالات الحقيقية للسكان، والتفاعل مع شكاياتهم، وتتبع الملفات التي تؤثر في حياتهم اليومية.
فالمواطن لا ينتظر من المسؤول أن يكتفي بتدشين المشاريع أو حضور الاجتماعات، بل يريد إدارة تستمع إليه، وتشرح له القرارات، وتتعامل معه باحترام، وتمنحه جواباً واضحاً بشأن مطالبه. أما حين يشعر المرتفق بأن صوته لا يصل، أو أن موقعه الاجتماعي يحدد طريقة التعامل معه، فإن الثقة في الإدارة تصبح أول ضحايا هذا الخلل.
ومن هنا، فإن تقييم أداء الإدارة الترابية بكلميم ينبغي أن ينطلق من أسئلة عملية: ما مدى تجاوب المصالح المختصة مع شكايات المواطنين؟ وهل تُتابع الاختلالات المبلغ عنها إلى حين معالجتها؟ وهل يجري تقييم أداء رجال السلطة بناءً على جودة الخدمات والتواصل والالتزام بالقانون، أم أن المظاهر البروتوكولية تحظى أحياناً باهتمام أكبر من النتائج الميدانية؟
قد يتغير المسؤول، وقد تنتهي المهام الإدارية، لكن أثر الممارسة اليومية يظل حاضراً في ذاكرة المواطنين. فالتواضع في التعامل، والإنصاف في اتخاذ القرار، واحترام كرامة الناس، قيم لا تحتاج إلى حملات تواصلية لتثبت حضورها؛ كما أن أي سلوك متعالٍ أو تعسفي، متى ثبت، لا يمكن تبريره برتبة إدارية أو نفوذ مؤسساتي.
ولا يتعلق الأمر هنا باستهداف أشخاص أو إطلاق أحكام مسبقة، بل بالتأكيد على أن المسؤولية العمومية تكليف يفرض واجبات مضاعفة، وأن السلطة لا تمنح صاحبها امتيازاً في التعامل مع المواطنين، وإنما تلزمه بأن يكون أكثر التزاماً بالقانون وأكثر حرصاً على المصلحة العامة.
إن الرهان الحقيقي أمام الإدارة الترابية بجهة كلميم واد نون هو الانتقال من منطق تدبير الملفات إلى منطق حل المشكلات، ومن الاكتفاء بإظهار الحضور المؤسساتي إلى إثبات الفعالية على الأرض. وهو رهان لا يتحقق إلا بتقوية قنوات التواصل، والتعامل الجدي مع الشكايات، وتفعيل آليات التقييم والمراقبة، وترتيب المسؤوليات متى ثبت الإخلال بالواجب المهني.
وفي هذا السياق، تظل مسؤولية الوالي امحمد الناجم أبهاي، في حدود اختصاصاته القانونية، مرتبطة بمدى قدرة الإدارة الترابية على التنسيق والتتبع والاستجابة للانتظارات المشروعة، دون تحميله تلقائياً مسؤولية كل اختلال قد يقع داخل مختلف المصالح.
فكلميم لا تحتاج إلى سلطة تخشى النقد، ولا إلى إدارة تكتفي بتجميل صورتها، بل إلى مسؤولين يدركون أن شرعية الممارسة اليومية تُبنى بالإنصاف والنجاعة واحترام كرامة المواطنين، فالمنصب مهما علا يظل مؤقتاً، أما الطريقة التي يُعامل بها المواطنون فتبقى المعيار الأصدق للحكم على المسؤول.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد