هبة زووم – الرباط
لم ينتظر الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي طويلاً لرفع سقف الأسئلة أمام وزير الفلاحة الجديد، بعدما دعا، في تدوينة جديدة، إلى إجراء تدقيق شامل في تدبير وزارة الفلاحة منذ تولي عزيز أخنوش مسؤوليتها وإلى اليوم، معتبراً أن حجم الأموال والسياسات والبرامج التي عرفها القطاع يجعل من الافتحاص مدخلاً ضرورياً لفهم ما تحقق فعلاً على الأرض.
ويستند اليحياوي في انتقاده إلى سنوات طويلة كان خلالها أخنوش على رأس وزارة الفلاحة والصيد البحري، إذ عُيّن في هذا المنصب سنة 2007، قبل أن يغادره بعد توليه رئاسة الحكومة سنة 2021. وتؤكد السيرة الرسمية المنشورة عنه أنه تولى حقيبة الفلاحة والصيد البحري في أكتوبر 2007.
لكن اليحياوي لا يريد، بحسب مضمون تدوينته، مجرد تقييم سياسي للحصيلة، بل يطالب بما هو أعمق: فتح دفاتر الحسابات، وتتبع مسار الأموال، وقياس النتائج، ومقارنة الوعود بما تحقق فعلياً.
وفي مقدمة الملفات التي يضعها تحت المجهر يأتي “مخطط المغرب الأخضر”، الذي أطلق سنة 2008 باعتباره استراتيجية وطنية لتطوير القطاع الفلاحي، ورفع الإنتاجية والاستثمار والتصدير وتحسين مداخيل الفلاحين.
وبحسب الوكالة الرسمية للتنمية الفلاحية، فقد استقطب القطاع الفلاحي بين 2008 و2018 استثمارات بلغت 104 مليارات درهم، منها 40 في المائة استثمارات عمومية و60 في المائة استثمارات خاصة، كما ارتفعت صادرات المنتجات الفلاحية خلال الفترة نفسها بنسبة 117 في المائة، وفق المعطيات الرسمية للوكالة.
غير أن هذه الأرقام لا تنهي النقاش، بل ربما تجعله أكثر إلحاحاً: ما حجم الأموال التي أنفقت؟ ومن استفاد منها؟ وما الذي تحقق للفلاح الصغير؟ وما أثر هذه السياسات على الأمن الغذائي والماء والأسواق الداخلية؟ وهي أسئلة لا تبدو أكاديمية فقط.
فأبحاث مستقلة حول السياسة الفلاحية المغربية تشير إلى وجود مفارقة بين التوجه نحو الزراعات الموجهة للتصدير وبين الضغط المتزايد على الموارد المائية، وتشير دراسة بحثية إلى أن “مخطط المغرب الأخضر” شجع التوسع في عدد من الزراعات ذات الاستهلاك المرتفع للمياه والموجهة إلى الأسواق الخارجية، في وقت تواجه فيه المملكة إجهاداً مائياً متزايداً.
وهنا تكتسب دعوة اليحياوي إلى الافتحاص بعداً يتجاوز محاسبة وزير سابق أو مسؤول حكومي بعينه، فالسؤال يتعلق بالنموذج نفسه: هل نجحت السياسة الفلاحية في تحقيق التوازن بين التصدير وحاجيات السوق الوطنية، وبين الاستثمار والمحافظة على الموارد الطبيعية، وبين دعم كبار المستثمرين وحماية الفلاحين الصغار؟
اليحياوي يضع الماء في قلب انتقاداته، معتبراً أن بعض الزراعات الموجهة إلى التصدير ساهمت، بحسب قراءته، في الضغط على الفرشة المائية ومصادر مياه السقي في عدد من المناطق.
وهذه النقطة تحديداً تستحق نقاشاً مؤسساتياً وعلمياً، لأن الدراسات المتخصصة في “الماء الافتراضي” خلصت إلى أن المغرب أصبح يصدر كميات مهمة من المياه المضمنة في المنتجات الفلاحية، خصوصاً الخضر والفواكه ذات المتطلبات المائية المرتفعة.
لكن إذا كان الافتحاص المطلوب جدياً، فإنه لا ينبغي أن يتوقف عند حجم المياه المستعملة أو قيمة الصادرات، بل يجب أن يصل إلى من استفاد من الدعم العمومي، وكيف تم اختيار المشاريع، وما مدى احترامها لشروط الاستدامة، وما أثرها الاجتماعي والمجالي، وهل كانت النتائج متناسبة مع حجم الأموال المرصودة؟
ولا يقل ملف الثروة الحيوانية حساسية في تدوينة اليحياوي، فهو ينتقد بشدة سياسات دعم مربي الماشية، ويربطها بتراجع القطيع وارتفاع أسعار اللحوم وعدم انعكاس الدعم، في نظره، بالشكل المطلوب على المستهلك.
غير أن المعطيات الرسمية تُظهر أن الدولة أطلقت خلال السنوات الأخيرة برامج متعددة لدعم القطيع، خاصة في ظل توالي سنوات الجفاف. ففي 2025 أعلنت الحكومة عن برنامج لدعم الأعلاف وإعادة تكوين القطيع، بلغت كلفته نحو 3 مليارات درهم إلى نهاية 2025، مع تخصيص 3.2 مليارات درهم سنة 2026 للدعم المباشر المرتبط بالحفاظ على إناث الماشية.
كما أُجري إحصاء وطني للقطيع خلال صيف 2025، وأعلنت الحكومة أن عدد الرؤوس المحصاة بلغ نحو 32.8 مليون رأس، مع اعتماد آلية الترقيم لتحديد المستفيدين من الدعم.
وهنا يعود السؤال الذي يطرحه اليحياوي بقوة: إذا كانت مليارات الدراهم قد ضُخت في القطاع، فلماذا لا يشعر المستهلك بانعكاس واضح على الأسعار؟ ولماذا استمرت أزمة القطيع إلى درجة إطلاق برنامج جديد لإعادة تكوينه؟
لكن الإجابة عن هذه الأسئلة لا يمكن اختزالها في اتهام جهة واحدة، لأن أزمة القطيع تأثرت أيضاً بالجفاف وارتفاع كلفة الأعلاف والظروف المناخية والاقتصادية.
لذلك فإن المطلوب، إذا أُنجز الافتحاص فعلاً، هو التمييز بين أثر السياسات العمومية وأثر العوامل المناخية والسوقية، بدلاً من تحميل طرف واحد كل نتائج الأزمة.
ولا يترك اليحياوي قطاع الصيد البحري خارج دائرة المساءلة، معتبراً أن واقع الأسماك المعروضة في الأسواق وأسعارها يطرح سؤالاً حول مدى استفادة المواطن المغربي من الثروة البحرية التي يتوفر عليها البلد.
والسؤال هنا أيضاً مشروع من زاوية السياسات العمومية: كيف يمكن لبلد يمتلك واجهتين بحريتين وثروة سمكية مهمة أن يضمن عرضاً مناسباً وبأسعار معقولة للمستهلك الداخلي؟
لكن الإجابة تحتاج إلى أرقام دقيقة حول الإنتاج، والتوزيع، والتصدير، وسلاسل التسويق، وهوامش الربح، وحجم الاستهلاك الداخلي، وليس فقط إلى الانطباعات اليومية عن الأسعار وجودة المنتجات المعروضة.
أخطر ما في تدوينة اليحياوي ربما ليس اتهام هذا القطاع أو ذاك، وإنما السؤال المتعلق بالمسؤولية، فإذا كانت السياسات الحكومية تُنفذ عبر برامج وميزانيات وقرارات ومؤسسات، فمن يتحمل مسؤولية النتائج عندما تفشل بعض الأهداف أو تظهر اختلالات؟ هل يكفي أن يقول المسؤول السابق إنه كان مجرد منفذ لسياسة عمومية؟
هنا تبرز أهمية الافتحاص والمراقبة البرلمانية والقضائية والمالية، لأن تحديد المسؤولية لا ينبغي أن يقوم على الانطباعات أو التصفية السياسية، بل على الوثائق والمعطيات والقرارات وسلاسل اتخاذ القرار، وبذلك، فإن مطلب اليحياوي يمكن تحويله من سجال سياسي إلى ورشة تدقيق مؤسساتي.
افتحاص لـ”المغرب الأخضر” لا يعني بالضرورة الحكم مسبقاً عليه بالفشل، كما أن الأرقام الإيجابية الرسمية لا تعني أن كل أهدافه تحققت أو أن كل آثاره كانت إيجابية.
المطلوب هو وضع الحصيلة كلها فوق الطاولة: كم أنفقنا؟ ماذا أنجزنا؟ من استفاد؟ ماذا تغير في دخل الفلاح؟ ماذا حدث للموارد المائية؟ ماذا تحقق للأمن الغذائي؟ ماذا وقع للقطيع؟ وكيف أثرت سياسة التصدير على السوق الوطنية؟ وعندما تظهر الإجابات، يمكن عندها الانتقال من لغة الاتهام إلى لغة المسؤولية.
لقد تغير وزير الفلاحة، لكن الملفات الثقيلة لم تتغير معه، وإذا كان الوزير الجديد يريد فعلاً فتح صفحة جديدة، فإن أول رسالة يمكن أن يبعث بها إلى الرأي العام ليست وعداً جديداً ولا مخططاً جديداً، وإنما تدقيقاً شفافاً في ما سبق.
ففي قطاع أنفقت عليه مليارات الدراهم، وأُطلقت باسمه مخططات كبرى، وتداخلت فيه قضايا الماء والغذاء والقطيع والتصدير والدعم، لا يكفي أن نسأل: ماذا سيفعل الوزير الجديد؟
بل ينبغي أولاً أن نسأل: ماذا حدث فعلاً خلال السنوات الماضية، وأين ذهبت الأموال، ولماذا جاءت بعض النتائج بعيدة عن انتظارات المواطن؟ تلك ليست محاكمة مسبقة لأحد، وإنما أبسط شروط ربط المسؤولية بالمحاسبة.
تعليقات الزوار