اليحياوي يضع تقرير الخارجية الأميركية تحت المجهر: بيروقراطية وغياب للشفافية وفساد فمن أوصل المغرب إلى هذا الوضع؟

هبة زووم – الرباط
عاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي إلى واجهة النقاش العمومي من بوابة تدوينة جديدة، اختار من خلالها وضع ما يصفه بتشخيص أميركي لمناخ الاستثمار وسوق الشغل بالمغرب أمام الرأي العام، قبل أن يطرح السؤال الأكثر إحراجاً: إذا كانت هذه المعطيات صادرة عن جهة رسمية أميركية، فمن يتحمل مسؤولية الوضع الذي تصفه؟
اليحياوي استند في تدوينته إلى ما قال إنه تقرير صادر عن وزارة الخارجية الأميركية حول مناخ الاستثمار في المغرب برسم 2025-2026، مشيراً إلى ما أورده التقرير بشأن وجود بيروقراطية حكومية غير فعالة، وبطء في الإصلاحات التنظيمية، ونقص في الشفافية في آليات اتخاذ القرار، إلى جانب استمرار تحديات مرتبطة بالفساد.
وبعيداً عن السجال السياسي المعتاد، فإن مثل هذه الملاحظات، متى ثبتت في مصدرها الأصلي وبالصياغة نفسها، تفتح نقاشاً أوسع من مجرد تقييم أميركي لمناخ الأعمال، لأنها تمس صميم العلاقة بين الإدارة والاستثمار، وبين جودة الحكامة وقدرة الاقتصاد على خلق فرص الشغل واستقطاب الاستثمارات.
وفي الجانب المرتبط بسوق العمل، نقل اليحياوي عن التقرير أرقاماً قال إنها تشير إلى بلوغ البطالة 37.2 في المائة بين الشباب و19.1 في المائة بين حاملي الشهادات، بالتزامن مع شكاوى من أرباب العمل بشأن صعوبة العثور على مرشحين يتوفرون على المهارات المطلوبة.
وهنا تحديداً تبدو المفارقة أكثر حدة: سوق عمل يعاني من ارتفاع البطالة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، وفي الوقت نفسه تشتكي قطاعات من نقص الكفاءات والمهارات المناسبة، وبين المؤشرين توجد فجوة تطرح أسئلة عميقة حول منظومة التعليم والتكوين المهني، وملاءمة التخصصات مع حاجيات الاقتصاد، وقدرة السياسات العمومية على الانتقال من إنتاج الشهادات إلى إنتاج فرص العمل والكفاءات المطلوبة.
اليحياوي لم يكتفِ بعرض ما اعتبره خلاصات التقرير الأميركي، بل اختار أن يوجه السؤال مباشرة إلى المسؤولية السياسية والمؤسساتية، متسائلاً: “من الذي أوصلنا لهذا الوضع المزري؟”.
السؤال، في جوهره، لا يتعلق فقط بمن يتولى تدبير الحكومة في لحظة معينة، وإنما بمدى قدرة المؤسسات على بناء إدارة فعالة، وإرساء قواعد واضحة للاستثمار، وتسريع الإصلاحات، وضمان شفافية القرار، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما أن الحديث عن البطالة لا يمكن فصله عن سؤال السياسات العمومية المتعاقبة: هل نجحت البرامج الحكومية في تحويل النمو الاقتصادي إلى فرص شغل مستدامة؟ وهل استطاع التعليم والتكوين مواكبة التحولات التي يعرفها سوق العمل؟ وأين تكمن مسؤولية الدولة، وأين تبدأ مسؤولية القطاع الخاص والمؤسسات التعليمية والفاعلين الاقتصاديين؟
الأخطر، وفق القراءة التي يقدمها اليحياوي، هو ما يعتبره تراجعاً في صورة المغرب ومكانته، حين يتساءل عما إذا كان البلد قد أصبح موضوعاً للحديث السلبي، قائلاً إنه بات “يخجل من نفسه”، قبل أن يذهب إلى حد الجزم بأن الأمر “مقصود وعن سابق إصرار”.
لكن بعيداً عن هذا الاستنتاج، تظل الأسئلة التي تثيرها المعطيات نفسها قائمة: كيف يمكن جذب الاستثمار في ظل بيروقراطية يُنظر إليها على أنها معقدة أو بطيئة؟ وكيف يمكن إقناع الشباب بالاندماج في سوق العمل إذا ظل التفاوت قائماً بين مخرجات التعليم وحاجيات المقاولات؟ وكيف يمكن بناء الثقة في الاقتصاد والمؤسسات إذا ظلت الشفافية والحكامة والفساد ضمن الملفات التي تثير ملاحظات وانتقادات؟
فالتقارير الدولية، مهما كان مصدرها، لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد مادة للسجال السياسي، بل إلى مناسبة لفتح الملفات بالأرقام والوثائق، ومساءلة السياسات العمومية عن نتائجها، وقياس أثر الإصلاحات على حياة المواطنين والمستثمرين والشباب.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي يطرحه اليحياوي يتجاوز شخصه وتدوينته: إذا كانت البيروقراطية والبطالة وضعف الشفافية والفساد من بين التحديات التي تشخصها تقارير دولية، فما هي الآليات المؤسساتية الكفيلة بتحويل هذا التشخيص إلى إصلاح فعلي، ومن يتحمل مسؤولية التأخر في ذلك؟
إنها أسئلة لا يكفي أن تجيب عنها الخطب والوعود، بل تحتاج إلى أرقام، وحسابات، ومؤشرات، وربط واضح بين القرار والنتيجة، وبين المسؤولية والمحاسبة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد