هبة زووم – سيدي بنور
في قلب جهة الدار البيضاء–سطات، تقف سيدي بنور أمام مفارقة تنموية لافتة: مدينة وإقليم يتوفران على مؤهلات فلاحية وتجارية وبشرية مهمة، وموقع جغرافي يفتح أبواباً واسعة أمام الاستثمار، ومع ذلك لا تزال التنمية المحلية تبحث عن دينامية قادرة على تحويل هذه الإمكانات إلى مشاريع منتجة، وقيمة مضافة، وفرص شغل حقيقية.
فالمعطيات الرسمية لجماعة سيدي بنور والمركز الجهوي للاستثمار تؤكد أن المنطقة ليست فقيرة من حيث المؤهلات. فالاقتصاد المحلي يرتكز على الفلاحة، وخاصة الحبوب والشمندر السكري وتربية المواشي وإنتاج اللحوم والحليب، فيما تحتضن المدينة وحدة صناعية كبرى في مجال السكر، إلى جانب سوق أسبوعي ذي إشعاع واسع، لكن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: ماذا تملك سيدي بنور؟ وإنما: ماذا تفعل بكل ما تملك؟
ذلك أن الاقتصار على إنتاج المواد الأولية لا يكفي لبناء اقتصاد محلي قادر على خلق الثروة وفرص الشغل. فالرهان الحقيقي يمر عبر الانتقال من منطق الإنتاج إلى منطق التثمين، ومن بيع المنتوجات في صورتها الأولية إلى تطوير الصناعات التحويلية والتغليف والتسويق والخدمات المرتبطة بها.
وتشير معطيات المركز الجهوي للاستثمار إلى وجود فرص استثمارية في الصناعات الغذائية المرتبطة بالحبوب والحليب والخضروات، ووحدات تعبئة اللحوم وإنتاج الأعلاف، فضلاً عن فرص أخرى في الفلاحة البديلة والزراعة النظيفة والأنشطة المرتبطة بالقطاع الفلاحي.
وهنا تحديداً يظهر أحد التحديات الأساسية أمام سيدي بنور: كيف يمكن بناء سلسلة اقتصادية متكاملة تجعل من الفلاح والمنتج والمحول والمسوق والمستهلك حلقات في منظومة واحدة؟
فالفلاحة وحدها لا ينبغي أن تكون مجرد مصدر للمواد الخام، بل يمكن أن تتحول إلى قاطرة لصناعة غذائية محلية قادرة على خلق وظائف مباشرة وغير مباشرة، وفتح المجال أمام المقاولات الصغرى والتعاونيات والمشاريع الشبابية.
كما أن موقع المدينة يوفر عناصر إضافية يمكن البناء عليها. فهي توجد في مجال فلاحي مهم، وتتمتع بشبكة طرقية تربطها بعدد من المراكز والمدن، كما أن قربها من الدار البيضاء والأسواق الكبرى يمنحها إمكانية الاستفادة من دينامية اقتصادية أوسع، غير أن الموقع الجغرافي وحده لا يصنع التنمية.
التنمية تحتاج إلى رؤية، وتخطيط، وتسهيل للاستثمار، وتكوين، وتمويل، ومواكبة للمقاولات، وتحسين مستمر للبنيات والخدمات الأساسية. كما تحتاج إلى تحويل الفرص النظرية إلى مشاريع فعلية، بدل أن تبقى المؤهلات مجرد أرقام جميلة في التقارير والوثائق الرسمية.
ويبقى التشغيل أحد أكثر الملفات إلحاحاً، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب، فخلق فرص اقتصادية محلية لا يتعلق فقط باستقطاب المستثمرين الكبار، بل كذلك بتوفير بيئة تسمح للمقاولات الصغيرة بالاستمرار، وتشجع التعاونيات والمبادرات الفردية والمشاريع المبتكرة، وتربط التكوين باحتياجات سوق الشغل.
ولا ينبغي أيضاً إغفال البعد الثقافي والمجالي. فالمنطقة تتوفر على رصيد ثقافي وفلاحي وتراثي يمكن أن يدعم السياحة القروية والمنتجات المجالية والأنشطة الثقافية، خصوصاً ضمن منظومة دكالة الأوسع التي تتوفر بدورها على إمكانات فلاحية وسياحية وثقافية متنوعة.
لذلك، فإن معركة سيدي بنور المقبلة ليست معركة البحث عن المؤهلات، لأنها موجودة بالفعل، وإنما معركة تحويل المؤهلات إلى اقتصاد منتج.
والسؤال الذي ينبغي أن يظل مطروحاً أمام المنتخبين والسلطات والفاعلين الاقتصاديين هو: متى تنتقل سيدي بنور من مرحلة تعداد مؤهلاتها إلى مرحلة استثمارها؟
فالمدينة لا تحتاج إلى شعارات جديدة بقدر ما تحتاج إلى مشاريع واضحة، وسلاسل إنتاج متكاملة، واستثمارات منتجة، وخدمات أفضل، وسياسات محلية تمنح الشباب سبباً حقيقياً للبقاء والمساهمة في صناعة مستقبل مدينتهم.
سيدي بنور اليوم لا ينقصها ما تنتج به التنمية، وإنما تحتاج إلى من يحول ما لديها إلى قيمة مضافة وفرص شغل ومستقبل اقتصادي أكثر تنوعاً.
تعليقات الزوار