الحسيمة.. العطش يعود إلى الواجهة بأيت قمرة وانقطاعات الماء تضع المسؤولين أمام أسئلة محرجة

هبة زووم – الحسيمة
في أيت قمرة بإقليم الحسيمة، لا يبدو أن ملف الماء الصالح للشرب قد وجد طريقه بعد إلى الحل النهائي، بعدما عادت شكايات السكان بشأن الانقطاعات المتكررة إلى الواجهة، وسط حديث عن تراجع لافت في انتظام التزويد، وتحول الماء من خدمة يفترض أن تكون مستقرة إلى مصدر يومي للقلق بالنسبة إلى عدد من الأسر.
ووفق إفادات متداولة بين سكان المنطقة، فإن الانقطاعات لم تعد مرتبطة، بحسب شهاداتهم، بفترات محدودة أو بظروف استثنائية، بل أصبحت تتكرر بشكل شبه يومي، وتمتد أحياناً إلى ساعات طويلة، بل وإلى الليل، ما يفرض على الأسر تدبير احتياجاتها اليومية في ظل غياب انتظام واضح في التزويد.
واللافت أن هذه الشكايات لا تبدو جديدة. فقد سبق لمجلس جماعة أيت قمرة أن ناقش وضعية الماء الصالح للشرب خلال دورة ماي 2023، فيما أظهرت الوثائق الرسمية للجماعة أن موضوع توفير الماء بالدواوير التي تعرف نقصاً كان مطروحاً للنقاش آنذاك.
الأكثر دلالة أن الموضوع تجاوز، في وقت سابق، مستوى الشكايات المحلية إلى المؤسسة التشريعية، حيث كان النائب عبد أمغار قد طرح، في سؤال كتابي بالبرلمان، قضية الانقطاعات المتكررة للتزود بالماء الصالح للشرب بجماعتي أيت قمرة وإمزورن، مستنداً إلى شكايات توصل بها من السكان، ومشيراً إلى أن الانقطاعات كانت تصل أحياناً إلى أسبوع كامل ببعض الدواوير، خصوصاً خلال فصل الصيف.
السؤال البرلماني نفسه طالب بتحديد الأسباب الحقيقية لهذه الانقطاعات، وما إذا كانت مرتبطة بالإجهاد المائي أو باختلالات تقنية في شبكات التزويد والتوزيع، كما سأل عن الإجراءات الاستعجالية والتدابير المبرمجة لتقوية البنيات التحتية وضمان استدامة التزويد.
وهنا تحديداً تبرز المفارقة: إذا كان الملف قد وصل إلى البرلمان، وإذا كانت الجماعة نفسها قد ناقشت وضعية الماء، فلماذا لا تزال شكايات السكان تعود إلى الواجهة؟
لا يتعلق الأمر بخدمة ترفيهية أو مرفق يمكن للأسر الاستغناء عنه مؤقتاً. الماء الصالح للشرب يرتبط مباشرة بالحياة اليومية والصحة والنظافة والاستقرار الاجتماعي.
ولذلك فإن استمرار الانقطاعات، إذا ثبتت وتيرتها ومدتها وفق ما يقوله السكان، يستدعي أكثر من بيانات عامة أو تدخلات ظرفية. المطلوب هو تحديد مكامن الخلل بدقة: هل يتعلق الأمر بمصادر المياه؟ أم بشبكة التوزيع؟ أم بضغط الشبكة؟ أم بأعطاب تقنية؟ أم بطريقة تدبير الموارد المتاحة؟
فمن غير المقبول أن تبقى الساكنة في مواجهة انقطاع متكرر دون معرفة متى ينقطع الماء، ولماذا ينقطع، ومتى سيعود، وما الذي يتم فعله لإنهاء المشكلة نهائياً.
وتزداد حساسية الملف بالنظر إلى التحولات التي تعرفها المنطقة، حيث تشير الوثائق الرسمية للجماعة إلى دينامية عمرانية وتنموية وتوسع في البنيات والمرافق.
كما أن الدولة سبق أن أطلقت مساطر مرتبطة بمشروع لتزويد ساكنة أيت قمرة بالماء الصالح للشرب، وهو ما يؤكد أن موضوع تأمين هذه المادة الحيوية كان ولا يزال يحظى بأهمية على مستوى التخطيط العمومي، لكن بين المشاريع والبرامج من جهة، وما تصل إليه المياه فعلياً إلى حنفيات الأسر من جهة أخرى، تبقى هناك فجوة تحتاج إلى تفسير واضح.
السكان لا يطلبون المستحيل. هم يطالبون بخدمة منتظمة، وتواصل واضح، وبرنامج معلن لمعالجة الاختلالات، ومن هنا تتجه الأنظار إلى السلطات الإقليمية والمصالح المكلفة بتدبير قطاع الماء، إلى جانب المجلس الجماعي، من أجل الوقوف ميدانياً على حقيقة الوضع، والاستماع إلى المتضررين، وتحديد مصدر الخلل والمسؤوليات التقنية والإدارية المرتبطة به.
كما أن المطلوب هو نشر معطيات واضحة حول وضعية الشبكة، وبرنامج الإصلاحات، والآجال المحددة لتنفيذها، بدل ترك السكان أمام شكايات تتكرر بينما تظل أسبابها وآفاق حلها غير واضحة.
فإذا كانت الانقطاعات مؤقتة ولها أسباب تقنية محددة، فمن حق السكان معرفة ذلك. وإذا كانت مرتبطة بضغط الموارد المائية، فمن حقهم أيضاً معرفة الإجراءات المعتمدة للتخفيف من آثارها، أما إذا كان الخلل مرتبطاً بالبنية التحتية أو طريقة التدبير، فإن الأمر يحتاج إلى معالجة جذرية لا إلى حلول ترقيعية، فأيت قمرة لا تحتاج إلى مزيد من الوعود بقدر ما تحتاج إلى ماء يصل بانتظام إلى منازل سكانها.
ويبقى السؤال الذي تفرضه الشكايات المتجددة بسيطاً ومشروعاً: إلى متى سيظل ملف الماء في أيت قمرة ينتقل من دورة جماعية إلى سؤال برلماني، ومن شكايات السكان إلى مطالب بالتدخل، دون أن يشعر المواطن بأن الحل النهائي أصبح قريباً؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد