اليحياوي يحذر من تكرار أخطاء الماضي ويؤكد أن أزمة القطيع تستدعي التحقيق لا ترقيع الاختلالات

هبة زووم – الرباط
أعاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي فتح ملف السياسات الفلاحية بالمغرب، موجهاً انتقادات حادة إلى حصيلة الاستراتيجيات التي تعاقبت على القطاع، وفي مقدمتها مخطط «المغرب الأخضر» واستراتيجية «الجيل الأخضر»، ومعتبراً أن اللجوء المتزايد إلى استيراد الأغنام والأبقار، بالتوازي مع استمرار ارتفاع أسعار اللحوم، يطرح أسئلة محرجة بشأن نجاعة الاختيارات المعتمدة ومصير المليارات التي رُصدت لدعم الفلاحة الوطنية.
وانطلق اليحياوي، في تدوينة جديدة، من تداول مقترح استيراد أكثر من مليوني رأس من الأغنام من موريتانيا، ليتساءل عن المفارقة التي باتت تطبع وضع القطاع الفلاحي بالمغرب، الذي يمتلك مؤهلات طبيعية وتاريخاً طويلاً في تربية الماشية، لكنه يجد نفسه مضطراً إلى البحث عن احتياجاته من اللحوم في الأسواق الخارجية.
وبالنسبة إلى الباحث، فإن هذا التوجه لا يمكن اختزاله في إجراء ظرفي لتأمين العرض أو مواجهة ارتفاع الأسعار، بل يستدعي، في نظره، مساءلة أعمق لمسار السياسات العمومية التي كان يفترض أن تعزز الإنتاج الوطني، وتحافظ على القطيع، وتقلص تبعية السوق الداخلية للتقلبات الخارجية.
واستحضر اليحياوي تجربة استيراد الأبقار من الأسواق الخارجية، مشيراً إلى أن استيراد أعداد كبيرة منها لم ينعكس، بحسب قراءته، على أسعار اللحوم بالشكل الذي كان ينتظره المستهلك المغربي، بل استمرت الأسعار مرتفعة، ما أعاد إلى الواجهة سؤال المستفيد الحقيقي من إجراءات دعم الاستيراد.
وتضع هذه الملاحظة الحكومة أمام اختبار أساسي يتعلق بمدى انتقال أثر التدابير المتخذة إلى المستهلك النهائي. فاستيراد الماشية قد يساهم في تعزيز العرض، لكنه لا يضمن وحده انخفاض الأسعار، ما لم تتوافر شروط المنافسة الفعلية، وتُراقب حلقات الاستيراد والتوزيع والذبح والتسويق، وتُقيّم كلفة الدعم وأثره على القدرة الشرائية.
ومن هنا، تبرز ضرورة نشر معطيات دقيقة بشأن أعداد رؤوس الماشية المستوردة، وكلفة العملية، وحجم الدعم العمومي المرتبط بها، ومدى انعكاس ذلك على الأسعار داخل الأسواق. فالمواطن الذي يواجه ارتفاعاً متواصلاً في كلفة المعيشة من حقه أن يعرف ما إذا كانت التدابير الحكومية تحقق أهدافها، أم أن أثرها يتوقف عند دعم العرض دون ضمان استفادة المستهلك.
ووجّه اليحياوي انتقادات مباشرة إلى الاستراتيجيات الفلاحية التي ارتبطت بمرحلة تولي عزيز أخنوش مسؤولية القطاع، معتبراً أنها لم تحقق النتائج المنتظرة في ما يتعلق بحماية الإنتاج الوطني والثروة الحيوانية.
وفي تقديره، فإن التحول من بلد يمتلك رصيداً فلاحياً مهماً إلى سوق تعتمد بصورة متزايدة على الاستيراد يكشف، على الأقل، عن حاجة ملحة إلى تقييم السياسات المعتمدة، بعيداً عن الخطاب الرسمي الذي يركز على حجم الاستثمارات والبرامج المعلنة.
كما انتقد الباحث التوجهات التي شجعت أنماطاً معينة من الإنتاج الفلاحي، معتبراً أنها لم تراعِ بما يكفي خصوصية الموارد الطبيعية المغربية، ولا سيما الإجهاد المائي وتداعيات الجفاف على التوازنات الفلاحية، وربط ذلك بما يراه تراجعاً في قدرة القطاع على تأمين احتياجات السوق الوطنية من المنتجات الحيوانية.
غير أن تقييم هذه الاستراتيجيات يقتضي التمييز بين عوامل متعددة، تشمل توالي سنوات الجفاف، وارتفاع كلفة الأعلاف والطاقة، وتراجع المراعي، والتحولات التي عرفتها تربية الماشية.
ولا يعفي تعدد العوامل من مساءلة الاختيارات الحكومية، لكنه يجعل الحكم على الحصيلة مرتبطاً بمعطيات موضوعية حول الإنتاج والاستثمار والدعم والتشغيل واستدامة الموارد.
ولم يتوقف اليحياوي عند انتقاد النتائج، بل ذهب إلى المطالبة بفتح ملفات الدعم العمومي الموجه إلى القطاع الفلاحي، معتبراً أن حجم الأموال المرصودة يفرض التحقق من كيفية صرفها، ومدى وصولها إلى المستفيدين الفعليين، وما إذا كانت قد أسهمت في تحقيق الأهداف المعلنة.
وتكتسي هذه الدعوة أهمية خاصة في ظل استمرار التساؤلات بشأن تراجع القطيع الوطني وارتفاع أسعار اللحوم، رغم البرامج والإجراءات التي استهدفت دعم القطاع.
فالمطلوب، وفق منطق ربط المسؤولية بالمحاسبة، ليس الاكتفاء بإعلان برامج جديدة أو اللجوء إلى الاستيراد عند اشتداد الأزمة، وإنما إخضاع السياسات السابقة لتقييم مستقل يكشف مكامن النجاح والفشل، ويحدد المسؤوليات بناء على الوثائق والمعطيات.
أما الاتهامات المتعلقة بتبخر المليارات أو توزيعها دون وجه حق، التي أوردها الباحث في تدوينته، فتظل ادعاءات تستوجب الإثبات والتدقيق، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها وقائع محسومة دون نتائج افتحاص أو تحقيقات رسمية. لكن طرحها يعيد التأكيد على ضرورة الشفافية في تدبير المال العام، وإتاحة المعطيات المتعلقة بالدعم والاستفادة منه، وترتيب المسؤوليات متى ثبت وجود اختلالات أو مخالفات.
وتكشف الانتقادات التي أثارها اليحياوي عن إشكال يتجاوز مسألة استيراد الأغنام من موريتانيا أو الأبقار من البرازيل؛ إذ يتعلق الأمر بقدرة السياسات الفلاحية على حماية الإنتاج الوطني من التقلبات المناخية والاقتصادية، وضمان استدامة القطيع، وتوفير اللحوم بأسعار تتناسب مع القدرة الشرائية للمغاربة.
فإذا كان الاستيراد قادراً على سد الخصاص مؤقتاً، فإنه لا يشكل بديلاً دائماً عن سياسة واضحة لإعادة بناء القطيع الوطني، ودعم صغار الكسابة، وتأمين الأعلاف، وحماية المراعي، وتحسين الخدمات البيطرية، وتطوير سلاسل الإنتاج والتسويق.
وفي ظل استمرار الضغط على الأسر المغربية، يصبح السؤال المركزي هو: هل ستكتفي الحكومة بتدبير النقص عبر الاستيراد كلما تراجع العرض، أم ستفتح تقييماً شاملاً للاستراتيجيات الفلاحية السابقة، وتكشف نتائج الدعم العمومي، وتضع برنامجاً قابلاً للقياس لاستعادة التوازن في القطاع؟
بالنسبة إلى اليحياوي، فإن تجاهل هذه الأسئلة يهدد بإعادة إنتاج الاختلالات نفسها. أما الرهان الحقيقي، فيبقى تحويل أزمة القطيع من مناسبة لتدابير ظرفية إلى فرصة لمراجعة السياسات، وتعزيز المحاسبة، وإعادة الاعتبار للفلاح والكساب المغربي، حتى لا يتحول الاستيراد من حل استثنائي إلى عنوان دائم لعجز الإنتاج الوطني.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد