هبة زووم – الرباط
في الوقت الذي يتواصل فيه النقاش حول رسوم التوقيت الميسر بالنسبة إلى الموظفين والأجراء بالجامعات المغربية، اختار الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي توجيه النقاش نحو ما يعتبره جوهر الأزمة الجامعية، محذراً من اختزال اختلالات التعليم العالي في مسألة الرسوم أو المجانية، في وقت تطرح فيه مؤشرات الهدر الجامعي وتعثر مسارات الدكتوراه أسئلة ثقيلة حول مردودية المنظومة ونجاعة تدبيرها.
وفي تدوينة جديدة، استحضر اليحياوي معطيات وتقارير سابقة تتعلق بمغادرة الطلبة للجامعة دون الحصول على شهادة، وضعف نسب مناقشة أطروحات الدكتوراه مقارنة بأعداد المسجلين، فضلاً عن الحضور المرتفع للموظفين في بعض مسالك الدكتوراه، وما يرافقه، بحسب التقارير التي أشار إليها، من تعثر عدد من المسارات البحثية أو عدم استكمالها.
ويعتبر الباحث أن هذه المؤشرات تكشف عن أزمة بنيوية لا يمكن معالجتها عبر نقاش مالي محدود، بل تستدعي مراجعة أوسع لشروط الولوج إلى التكوين الجامعي، وتتبع مسارات الطلبة، وتقييم النتائج الفعلية التي تحققها المؤسسات الجامعية.
ويرى اليحياوي أن الهدر لا يقتصر على التعليم ما قبل الجامعي، بل يمتد إلى الجامعة، مستنداً إلى تقديرات أوردها بشأن مغادرة ما بين 50 و60 في المائة من الطلبة الجامعيين دون الحصول على شهادة.
وإذا كانت هذه النسبة تعكس حجم التحدي الذي يثيره الباحث، فإن قراءتها بدقة تقتضي تحديد الفئات المعنية والفترة الزمنية والمؤسسات التي شملتها الدراسات، فضلاً عن التمييز بين الانقطاع النهائي عن الدراسة، والتأخر في التخرج، وتغيير المسار الجامعي أو الانتقال إلى مؤسسة أخرى.
ومع ذلك، فإن جوهر السؤال يظل قائماً: كيف يمكن لمنظومة التعليم العالي أن تقيس نجاحها بأعداد المسجلين، دون أن تضع في صلب تقييمها نسب الاستمرار والنجاح والتخرج، وجودة التكوين وفرص إدماج الخريجين؟
فالهدر الجامعي لا يمثل خسارة فردية للطالب فحسب، بل يطرح أيضاً أسئلة بشأن نجاعة توجيه الموارد العمومية، وملاءمة المسالك الجامعية، وجودة التأطير والمواكبة، ومدى قدرة المؤسسات على التدخل المبكر لتفادي تعثر الطلبة.
ومن أكثر النقاط التي توقف عندها اليحياوي ضعف نسبة مناقشة أطروحات الدكتوراه مقارنة بعدد المسجلين، مستحضراً تقارير سابقة للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي والمجلس الأعلى للحسابات، تعود إلى سنتي 2017 و2018.
وأشار الباحث إلى نسب تتراوح، بحسب ما أورده، بين 4.7 و5.7 في المائة، كما تحدث عن حالات لا يناقش فيها سوى طالب واحد من أصل تسعة مسجلين، في بعض الجامعات أو المسالك.
وتثير هذه الأرقام، إذا جرى تأكيدها وفق المؤشرات والفترات التي اعتمدتها التقارير، سؤالاً أساسياً حول الفجوة بين التسجيل في الدكتوراه وإنجاز البحث العلمي فعلياً. فارتفاع عدد المسجلين لا يعكس بالضرورة قوة الإنتاج العلمي، ما لم يواكبه تأطير منتظم، وتقدم ملموس في الأبحاث، ومناقشة الأطروحات ضمن آجال معقولة.
كما أن تعثر مسار الدكتوراه لا يمكن تفسيره بعامل واحد؛ إذ قد يرتبط بظروف الطلبة المهنية والاجتماعية، أو بصعوبات التمويل، أو بضعف التأطير وتوفر الموارد البحثية، أو بطول الإجراءات الإدارية، أو بصعوبات مرتبطة بموضوع البحث نفسه.
ومن ثم، فإن معالجة الظاهرة تقتضي تشخيصاً دقيقاً يحدد أسباب التعثر، بدل الاكتفاء بإحصاء المسجلين أو تحميل المسؤولية لفئة واحدة من الطلبة والباحثين.
وفي سياق النقاش حول رسوم التوقيت الميسر، أشار اليحياوي إلى أن نسبة الموظفين ضمن المسجلين في بعض مسالك الدكتوراه، ومن بينها جامعة محمد الخامس بالرباط، تصل بحسب ما أورده إلى 80 في المائة.
واستحضر في هذا الصدد ملاحظات منسوبة إلى تقرير للمجلس الأعلى للحسابات بشأن عدم مناقشة عدد من الموظفين أطروحاتهم خلال الآجال المعتادة، أو عدم استكمالها نهائياً.
ويطرح هذا المعطى إشكالية تدبير التكوين الجامعي الموجه إلى الموظفين والأجراء، خصوصاً حين يصبح التسجيل منفصلاً عن التقدم الفعلي في البحث. غير أن ارتفاع نسبة الموظفين، في حد ذاته، لا يكفي للحكم على مردودية هذه الفئة أو تحميلها مسؤولية الاختلالات؛ إذ ينبغي التمييز بين من يستثمر التكوين في تطوير كفاءاته ويستكمل بحثه، ومن يظل مساره متعثراً لسنوات.
والسؤال الذي يستحق النقاش هو ما إذا كانت شروط الولوج إلى هذه المسالك، وآليات التأطير والتتبع، والآجال المعتمدة، ونظام التقييم، تضمن جدية التكوين وتحقيق أهدافه العلمية والمهنية.
أما الرسوم، فهي جانب من النقاش المالي، لكنها لا تجيب وحدها عن أسئلة جودة التأطير، أو أسباب التعثر، أو مسؤولية المؤسسات في تتبع المسجلين، أو كيفية ضمان تكافؤ الفرص بين الطلبة.
ويخلص اليحياوي إلى أن الأزمة الجامعية أعمق من اختزالها في سؤال المجانية أو فرض رسوم على التوقيت الميسر. فالمطلوب، وفق هذا المنظور، هو الانتقال من نقاش يركز على كلفة التسجيل إلى نقاش يقيّم حصيلة التكوين، ومدى استكمال المسارات الجامعية، ونجاعة البحث العلمي، وحجم الموارد التي تتحول فعلياً إلى نتائج ملموسة.
ويقتضي ذلك نشر معطيات محينة وقابلة للمقارنة بشأن الانقطاع والتخرج، وتتبع مسارات طلبة الدكتوراه، وتحديد أسباب التأخر في المناقشة، وتقييم شروط التأطير والتمويل، مع وضع آليات واضحة للمواكبة والمساءلة.
كما يفرض النقاش التمييز بين ضمان الحق في التعليم العالي، باعتباره مبدأ أساسياً، وبين ضرورة تدبير الموارد الجامعية بكفاءة، وضمان جدية التكوين واستمراريته. فالمجانية وحدها لا تضمن الجودة، والرسوم وحدها لا تعالج الهدر، ما لم تصاحبهما إصلاحات تستهدف الأسباب الفعلية للتعثر.
وبين مطالب الموظفين والأجراء، وانتظارات الطلبة والباحثين، ومسؤولية الجامعات في إنتاج المعرفة وتكوين الكفاءات، تظل القضية الأهم هي كيفية بناء منظومة جامعية تقيس نجاحها بما يحققه الطلبة من تعلم وتخرج وبحث علمي، لا بمجرد أعداد المسجلين.
فهل تتحول الأرقام التي استحضرها اليحياوي إلى مدخل لتقييم مؤسساتي شامل للهدر الجامعي، أم يستمر النقاش محصوراً في الرسوم والمجانية، بعيداً عن الأسئلة المرتبطة بالمردودية والجودة والنتائج؟
تعليقات الزوار