في انتظار محاسبة بلقاسمي؟ جماعة الدار البيضاء تفك الارتباط بـ”سونارجيس” وتفتح ملفات مالية الاتفاقيات
هبة زووم – الدار البيضاء
دخل ملف تدبير عدد من المنشآت الرياضية بمدينة الدار البيضاء مرحلة جديدة من المساءلة، بعدما اتجهت جماعة الدار البيضاء نحو فك الارتباط بشركة «سونارجيس»، على خلفية ما وصفته اللجنة المشتركة المكلفة بتتبع الاتفاقيات المبرمة بين الطرفين بعدم وفاء الشركة بالتزاماتها التعاقدية، مع التوصية بانتداب مكتب محاسباتي مستقل لافتحاص وتدقيق مالية هذه الاتفاقيات.
وخلال أشغال الدورة العادية لشهر أكتوبر، كشف حسين نصر الله، أثناء عرضه تقرير اللجنة المشتركة المكلفة بدراسة الاتفاقيات المرتبطة بقطاع الرياضة، أن أعضاء اللجنة، من الأغلبية والمعارضة، خلصوا، عقب مناقشات واجتماعات متتالية، إلى التوصية بفسخ الاتفاقيات المبرمة مع «سونارجيس».
بحسب المعطيات التي عرضها نصر الله، فإن اللجنة المشتركة وقفت على ما اعتبرته عدم وفاء الشركة بالتزاماتها، وهو ما دفع أعضاءها إلى التوافق بشأن ضرورة إنهاء العلاقة التعاقدية بين الجماعة والشركة، بدل الاستمرار في اتفاقيات أثارت ملاحظات بشأن تنفيذ مقتضياتها.
ويكتسي هذا التطور أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباط الملف بتدبير منشآت رياضية يفترض أن تؤدي دوراً أساسياً في توفير فضاءات للممارسة الرياضية وتحسين العرض الرياضي بالعاصمة الاقتصادية للمملكة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما طبيعة الالتزامات التي لم يتم الوفاء بها؟ وما حجم الاختلالات التي سجلتها اللجنة؟ وهل تتعلق أساساً بالتدبير والصيانة والاستغلال، أم تشمل جوانب مالية وتعاقدية أخرى؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي الكشف عن المعطيات الواردة في تقرير اللجنة، وتوضيح أوجه التقصير التي تم رصدها، حتى يتسنى للرأي العام تقييم أسباب التوجه نحو فسخ الاتفاقيات ومدى وجاهة هذا القرار.
لم تقتصر توصيات اللجنة على فك الارتباط بـ«سونارجيس»، بل امتدت إلى الدعوة لانتداب مكتب محاسباتي يتولى افتحاص وتدقيق مالية الاتفاقيات المبرمة بين الجماعة والشركة.
وتشكل هذه الخطوة، إذا جرى تنفيذها وفق معايير الاستقلالية والشفافية، مدخلاً أساسياً للتحقق من سلامة التدبير المالي، ومقارنة الالتزامات التعاقدية بالمبالغ المؤداة والخدمات المقدمة فعلياً، فضلاً عن تحديد الاختلالات المحتملة وتوضيح المسؤوليات بناءً على نتائج موثقة.
فالحديث عن حماية المال العام لا ينبغي أن يظل شعاراً يرفع خلال الدورات والمناقشات، بل يتطلب افتحاصاً فعلياً يجيب عن أسئلة الكلفة والمردودية، ومدى احترام بنود الاتفاقيات، والنتائج التي حققتها المنشآت الرياضية المعنية.
كما أن عملية التدقيق ينبغي ألا تقتصر على تسجيل الملاحظات، بل يتعين أن تنتهي إلى خلاصات واضحة وتوصيات قابلة للتنفيذ، مع إحالة أي مخالفات يثبتها الافتحاص على الجهات المختصة، وفق المساطر القانونية الجاري بها العمل.
إن طرح سؤال المحاسبة في هذا الملف لا يعني افتراض مسؤولية شخصية أو ثبوت مخالفة في حق أي مسؤول قبل ظهور نتائج التدقيق، لكنه يفتح النقاش حول مسؤولية مختلف الأطراف في تتبع تنفيذ الاتفاقيات وضمان احترام الالتزامات المرتبطة بتدبير المنشآت الرياضية.
وفي هذا السياق، يبرز اسم بلقاسمي ضمن الأسئلة التي يثيرها عنوان الملف، غير أن تحديد طبيعة مسؤوليته، إن كانت قائمة، يظل رهيناً بتوضيح صفته وصلته المباشرة بالاتفاقيات المعنية، وبما ستكشف عنه الوثائق الرسمية ونتائج الافتحاص.
فالمحاسبة الجدية لا تقوم على الأسماء أو الانطباعات، وإنما على تحديد الاختصاصات، وفحص القرارات والتوقيعات والالتزامات، والتأكد من مدى احترام القوانين والاتفاقيات، كما أن فسخ العقود، في حد ذاته، لا يشكل دليلاً على وجود فساد أو اختلاس، بل يظل إجراءً تعاقدياً ينبغي تقييم أسبابه وآثاره في ضوء الوثائق والنتائج.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي يتمثل في ضمان ألا ينتهي الملف عند حدود التوصية بفسخ الاتفاقيات، وألا يتحول الافتحاص المرتقب إلى مجرد إجراء شكلي لا يترتب عنه توضيح للحقيقة أو تصحيح للاختلالات التي قد تثبت.
أمام هذا التطور، تنتظر ساكنة الدار البيضاء والرأي العام الرياضي توضيحات بشأن مآل الاتفاقيات، والكلفة المالية المرتبطة بها، وطبيعة الالتزامات التي لم يتم تنفيذها، والجدول الزمني لإجراء الافتحاص، والجهة التي ستشرف عليه، والضمانات الكفيلة باستقلاليته وموضوعيته.
كما يظل ضرورياً توضيح كيفية ضمان استمرار خدمات المنشآت الرياضية المعنية، حتى لا يؤدي فسخ الاتفاقيات إلى تعطيل مرافق يفترض أن تظل في خدمة المواطنين والرياضيين والجمعيات.
إن خطوة جماعة الدار البيضاء تضع الملف أمام اختبار حقيقي: إما أن يتحول الافتحاص إلى آلية فعالة لكشف مكامن الخلل وتحديد المسؤوليات وتصحيح التدبير، وإما أن تتوقف المسطرة عند حدود التصريحات والتوصيات، من دون أجوبة كافية عن الأسئلة المالية والتعاقدية المطروحة.
فهل يكشف الافتحاص المرتقب حقيقة تدبير الاتفاقيات المبرمة مع «سونارجيس»، ويحدد المسؤوليات عن الإخلالات التي تحدثت عنها اللجنة المشتركة؟ أم سيظل الملف مفتوحاً على مزيد من التساؤلات في انتظار نتائج لا يعرف الرأي العام متى ستظهر؟
ذلك ما ستحدده نتائج التدقيق والإجراءات التي ستعقبها، في ملف يفترض أن تكون فيه حماية المال العام وضمان حسن تدبير المنشآت الرياضية فوق كل اعتبار.