من البرازيل إلى الخليج.. اليحياوي ينتقد ازدواجية ترامب ويحذر من الارتهان لوعوده

هبة زووم – الرباط
بلهجة نقدية حادة، عاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي إلى انتقاد السياسة الخارجية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، معتبراً أن طريقة تعامله مع الدول والحلفاء تقوم على منطق المصالح والصفقات، لا على مفهوم الصداقة أو الالتزامات الثابتة.
واستحضر اليحياوي الانتخابات البرازيلية، والتوترات المرتبطة بأمن الخليج، ليطرح سؤالاً بشأن مدى قدرة الدول على الاطمئنان إلى الوعود الأميركية حين تتعارض حساباتها مع مصالح واشنطن.
وانطلق الباحث من موقف ترامب المشكك في الانتخابات البرازيلية، بعدما وصفها بأنها سيئة بالنسبة إليه، واعتبرها شبيهة بانتخابات مزورة، بحسب ما أورده اليحياوي في تدوينته.
ويرى الباحث أن هذا الموقف لا يمكن فصله عن حسابات سياسية مرتبطة بطبيعة القيادة التي تفضلها الإدارة الأميركية في برازيليا، وعن الخلافات الأيديولوجية والسياسية بين ترامب والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا.
ويعتبر اليحياوي أن موقف ترامب من الانتخابات البرازيلية يعكس، في قراءته، صعوبة تقبل الإدارة الأميركية لصعود أو استمرار قيادات لا تتوافق مع توجهاتها السياسية. ويربط الباحث ذلك بمواقف لولا دا سيلفا اليسارية، وبانتقاداته للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، وهي مواقف تشكل أحد أوجه الخلاف السياسي بين البرازيل وإسرائيل والولايات المتحدة.
وتفتح هذه الواقعة نقاشاً أوسع حول حدود التدخل السياسي الخارجي في المسارات الديمقراطية للدول، خصوصاً عندما تصدر عن قيادة دولية مؤثرة تصريحات تشكك في شرعية الانتخابات من دون تقديم أدلة واضحة تدعم الاتهامات.
فنزاهة الاقتراع لا ينبغي أن تخضع لمواقف المرشحين أو لتفضيلات القوى الدولية، بل لتقييم المؤسسات الانتخابية المختصة، وللأدلة والإجراءات القانونية المعتمدة. ومن هنا، فإن التشكيك السياسي في نتائج الانتخابات يثير أسئلة تتعلق باحترام سيادة الدول وحق شعوبها في اختيار قياداتها بعيداً عن الضغوط الخارجية.
وفي الجزء الأكثر حدة من تدوينته، يصف اليحياوي ترامب بأنه لا يتعامل مع العلاقات الدولية بمنطق الصداقة، بل بمنطق المصلحة المباشرة، معتبراً أن الدول التي تراهن على وعوده قد تجد نفسها أمام شروط مختلفة عندما تتغير الحسابات السياسية أو الأمنية.
ويذهب الباحث إلى أن هذه المقاربة لا تقتصر على أميركا اللاتينية، بل تمتد، في تقديره، إلى علاقات واشنطن مع دول الخليج وبلدان المغرب العربي، حيث يرى أن بعض الحكومات تبالغ في التعويل على الدعم الأميركي من دون أن تضع في الحسبان حدود هذا الدعم وشروطه.
وتستند هذه القراءة إلى إشكالية معروفة في العلاقات الدولية: فالشراكات بين الدول لا تقوم دائماً على تطابق المصالح، كما أن التحالفات الأمنية والاقتصادية تظل مرتبطة بحسابات استراتيجية قابلة للتغير. ولذلك فإن الاعتماد على قوة خارجية لحماية الأمن الوطني يطرح ضرورة تنويع الشراكات، وتعزيز القدرات الذاتية، وفهم طبيعة الالتزامات المتبادلة وحدودها.
لكن تفسير كل موقف أميركي باعتباره ابتزازاً أو استغلالاً يظل حكماً سياسياً يحتاج إلى النظر في كل حالة على حدة، مع التمييز بين الوقائع الموثقة والتقديرات المرتبطة بدوافع صناع القرار.
واستحضر اليحياوي الوضع السعودي في سياق انتقاده للرهان على ترامب، مشيراً إلى ما اعتبره مفارقة بين حجم العلاقات الاستراتيجية والاقتصادية التي تربط الرياض بواشنطن، وبين تحفظ الإدارة الأميركية على الانخراط العسكري المباشر في مواجهة الحوثيين.
وكانت تقارير صحفية قد أفادت بأن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان طلب مساعدة ترامب في مواجهة التهديدات الحوثية، فيما لم توافق واشنطن، وفق تلك التقارير، على تنفيذ ضربات مباشرة آنذاك، واكتفت بعرض دعم استخباراتي ومساندة في الاستهداف.
ويرى اليحياوي في هذا التطور دليلاً على أن العلاقات الوثيقة لا تعني بالضرورة استجابة الحليف لجميع المطالب الأمنية، وأن القرارات الأميركية تظل محكومة بحسابات الإدارة ومصالحها وتقديرها للمخاطر.
وتكشف هذه الحالة عن معضلة تواجه الدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على مظلات الحماية الخارجية: كيف يمكن ضمان الأمن الوطني من دون تحويل التحالفات إلى مصدر وحيد للطمأنينة؟ وكيف يمكن بناء شراكات استراتيجية تحافظ على المصالح المشتركة، من دون افتراض أن الدعم سيكون تلقائياً في كل أزمة؟
وتتجاوز تدوينة اليحياوي شخص ترامب إلى سؤال أوسع يتعلق بكيفية إدارة الدول لعلاقاتها بالقوى الكبرى. فالمطلوب، وفق المنطق الذي تدافع عنه التدوينة، ليس قطع العلاقات مع واشنطن أو إنكار أهمية التعاون معها، بل التعامل مع التحالفات بمنظور واقعي لا يخلط بين المصالح المتقاطعة والالتزام غير المشروط.
وفي عالم تتشابك فيه المصالح الاقتصادية والأمنية، تصبح قدرة الدول على تنويع شراكاتها، وتحصين قرارها الوطني، وتقييم الالتزامات المتبادلة، عاملاً أساسياً في حماية مصالحها. كما أن العلاقة المتوازنة مع القوى الكبرى تتطلب وضوحاً في الأهداف، وتقديراً دقيقاً لموازين القوة، وعدم بناء السياسات الاستراتيجية على الوعود وحدها.
وتطرح انتقادات اليحياوي سؤالاً مباشراً على صناع القرار في المنطقة: هل يكفي التقارب السياسي مع واشنطن لضمان الاستجابة للمطالب الأمنية والاقتصادية، أم أن التحالفات تحتاج إلى مراجعة مستمرة وفق المصالح المتبادلة والوقائع؟
وبين الانتخابات البرازيلية والتوترات الأمنية في الخليج، تظل الرسالة الأساسية للتدوينة أن العلاقات الدولية لا تُدار بالعواطف وحدها، وأن الاطمئنان إلى وعود أي قوة كبرى ينبغي أن يستند إلى التزامات واضحة، ومصالح متبادلة، وقدرة وطنية على التعامل مع التحولات، لا إلى افتراض وجود صداقة سياسية دائمة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد