هبة زووم – الرباط
أعاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي فتح النقاش حول حدود الاصطفاف الدبلوماسي المغربي في القضايا الدولية، على خلفية موقف الرباط من التصويت داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن الحصار الأمريكي المفروض على كوبا، موجهاً انتقادات حادة لما اعتبره انحيازاً إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، ومثيراً أسئلة بشأن العلاقة بين الحسابات السياسية والالتزامات الإنسانية.
وفي تدوينة جديدة، استحضر اليحياوي تصويتاً أممياً قال إن 130 دولة أيدت خلاله إدانة الحصار الأمريكي على كوبا والمطالبة برفعه، مقابل معارضة الولايات المتحدة وإسرائيل والإمارات ودول أخرى، إلى جانب المغرب، الذي اعتبر الباحث أن موقفه لا يمكن فصله عن حسابات علاقته بواشنطن وتداعيات الخلاف مع هافانا بشأن قضية الصحراء المغربية.
ويرى اليحياوي أن الموقف المغربي، وإن أمكن تفسيره ظاهرياً باعتبارات سياسية مرتبطة بدعم كوبا لجبهة البوليساريو، يطرح إشكالاً أوسع يتعلق بمدى استقلال القرار الدبلوماسي الوطني عن مواقف القوى الكبرى، وبحدود تغليب المصالح السياسية على الاعتبارات الإنسانية في التعامل مع النزاعات الدولية.
ويضع الباحث موقف المغرب من التصويت في سياق العلاقة المتوترة مع كوبا، بسبب موقف الأخيرة من قضية الصحراء المغربية، لكنه لا يكتفي بهذا التفسير، بل يذهب إلى اعتبار أن الاصطفاف إلى جانب واشنطن كان عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه التصويت المغربي.
وبحسب قراءته، فإن الرباط كانت ستتجه إلى الموقف نفسه الذي تتبناه الولايات المتحدة لو اختارت واشنطن دعم رفع الحصار، حتى لو استمرت الخلافات السياسية مع كوبا. وهي فرضية تعكس تشكيك الباحث في مدى استقلالية القرار المغربي عن حسابات الحلفاء الدوليين، لكنها تظل قراءة سياسية تحتاج إلى أدلة مستقلة لإثباتها.
ويعيد هذا النقاش طرح سؤال قديم ومتجدد في السياسة الخارجية المغربية: كيف يمكن التوفيق بين الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة، وتدبير التحالفات الاستراتيجية، والالتزام بالمبادئ الإنسانية التي يفترض أن تحكم العلاقات بين الدول؟
فالمصالح الوطنية تشكل عنصراً أساسياً في تحديد المواقف الدبلوماسية، غير أن الاحتكام إليها لا يلغي الحاجة إلى تفسير الخيارات المتخذة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بإجراءات واسعة التأثير على الحياة اليومية للسكان المدنيين.
وفي صلب تدوينته، ينتقد اليحياوي الحصار الاقتصادي باعتباره أداة ضغط لا تتوقف آثارها عند الحكومات المستهدفة، بل تمتد إلى المواطنين الذين قد يتحملون الجزء الأكبر من كلفته، من خلال تراجع فرص الحصول على الأدوية والمواد الأساسية وتفاقم الأوضاع المعيشية.
ويعتبر الباحث أن الحصار الطويل الأمد يطرح معضلة أخلاقية حقيقية، لأن معاقبة دولة بسبب خياراتها السياسية أو توجهاتها الأيديولوجية قد تتحول عملياً إلى عقاب جماعي يطال فئات لا تملك سلطة اتخاذ القرار، وفي مقدمتها الأطفال والمرضى وكبار السن.
ومن هنا، يرفض اليحياوي المنطق القائل إن الضغط على الشعوب اقتصادياً يمكن أن يدفعها بالضرورة إلى تغيير حكامها أو سياسات دولها، معتبراً أن مثل هذه الإجراءات قد تؤدي، بدلاً من ذلك، إلى تعميق المعاناة الإنسانية من دون تحقيق الأهداف السياسية المعلنة.
ويكتسب هذا النقاش أهمية خاصة في ظل استمرار الجدل الدولي بشأن العقوبات الاقتصادية، ومدى مشروعيتها وفعاليتها، والتمييز الضروري بين الإجراءات التي تستهدف مسؤولين أو جهات محددة، والتدابير الواسعة التي قد تترك آثاراً مباشرة على السكان المدنيين.
ولتقوية حجته، ينتقل اليحياوي من الحالة الكوبية إلى الأوضاع في غزة واليمن، مستحضراً الحصار والمعاناة الإنسانية في المنطقتين، ومتسائلاً عن مدى استقامة المبررات السياسية التي تُستخدم للدفاع عن استمرار القيود المفروضة على السكان.
وفي المقارنة التي يقدمها، يرفض الباحث أن تتحول الخلافات السياسية أو طبيعة القوى المسيطرة في بلد ما إلى مبرر لتجاهل حقوق المدنيين أو القبول بحرمانهم من مقومات الحياة، حيث يرى أن الدفاع عن هذه الحقوق ينبغي ألا يخضع لهوية الطرف المعني أو موقعه في شبكة التحالفات الدولية.
وتكشف هذه المقارنة عن جوهر انتقاده لما يعتبره ازدواجية في المعايير: فحين يتعلق الأمر بحليف، تُستحضر الاعتبارات الأمنية والسياسية لتبرير الإجراءات المتخذة، بينما تصبح الاعتبارات الإنسانية أقل حضوراً عندما يتعلق الأمر بخصم.
ومع ذلك، فإن الأوضاع القانونية والسياسية في كوبا وغزة واليمن ليست متطابقة، كما أن طبيعة القيود المفروضة في كل حالة وأطرافها وأهدافها تختلف من سياق إلى آخر، لذلك، فإن المقارنة الأخلاقية التي يطرحها اليحياوي تفتح باب النقاش حول حماية المدنيين، لكنها لا تغني عن تقييم مستقل لكل حالة على حدة.
تضع تدوينة اليحياوي السياسة الخارجية المغربية أمام نقاش يتجاوز التصويت بشأن كوبا، ليشمل المعايير التي ينبغي أن توجه مواقف المملكة داخل المؤسسات الدولية. فالدبلوماسية لا تتحرك خارج حسابات المصالح والتحالفات، لكنها مطالبة أيضاً بتوضيح الأسس التي تستند إليها مواقفها، ولا سيما في القضايا التي ترتبط بحقوق الإنسان والمعاناة المدنية.
وفي الحالة المغربية، تتداخل الاعتبارات المرتبطة بقضية الصحراء مع علاقات المملكة الاستراتيجية بالولايات المتحدة، وهو ما يجعل تقييم الموقف من كوبا جزءاً من نقاش أوسع حول كيفية تدبير التوازن بين الدفاع عن المصالح الوطنية والانخراط في القضايا الإنسانية الدولية.
أما الرسالة المركزية التي يوجهها اليحياوي، فتتمثل في رفض تحويل الحصار إلى عقوبة مفتوحة يدفع المدنيون ثمنها، والدعوة إلى عدم التعامل مع معاناة الشعوب باعتبارها تفصيلاً ثانوياً في حسابات الصراع السياسي.
وبين منطق التحالفات ومقتضيات القانون الدولي والاعتبارات الإنسانية، يبقى السؤال الذي تثيره التدوينة مشروعاً للنقاش: هل يكفي أن يكون الموقف الدبلوماسي منسجماً مع مصالح الدولة وحسابات حلفائها، أم ينبغي أن يخضع أيضاً لاختبار أثره على حياة المدنيين ومدى اتساقه مع المبادئ المعلنة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تستوجب تجاهل الخلافات السياسية أو المصالح الوطنية، لكنها تفرض، في المقابل، ألا تتحول هذه المصالح إلى مبرر لإسقاط الاعتبارات الإنسانية من حسابات السياسة الخارجية.
تعليقات الزوار