بعد انتهاء الانتخابات.. أين النيابة العامة في اتهامات المحرشي للدريوش بشأن رخص صيد الأخطبوط؟

هبة زووم – الرباط
وضعت الانتخابات التشريعية أوزارها، وانتهت معها حرارة الحملة الانتخابية وتراشق الأحزاب بالاتهامات، لكن بعض الملفات التي أُثيرت خلال تلك الفترة لم تنتهِ بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع، لأنها تجاوزت حدود السجال السياسي إلى ادعاءات تتعلق بتدبير ثروة عمومية وقرارات إدارية يفترض أن تخضع للقانون والرقابة والمساءلة.
ومن بين أبرز هذه الملفات، الاتهامات التي وجهها العربي المحرشي، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، إلى كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري زكية الدريوش، بشأن ما قال إنها رخص استثنائية لصيد الأخطبوط خلال فترة الراحة البيولوجية لفائدة صيادين قال إنهم مقربون من حزب التجمع الوطني للأحرار.
المحرشي لم يكتف بانتقاد القرار، بل ربطه صراحة بسياق انتخابي، مدعياً أن المستفيدين من هذه التراخيص كان بإمكانهم تحقيق موارد مالية يمكن توظيفها في دعم الحملة الانتخابية، وطالب بفتح تحقيق شفاف في الموضوع.
وهنا لم يعد السؤال سياسياً صرفاً، ولا يتعلق فقط بمن ربح الانتخابات ومن خسرها، بل أصبح سؤالاً مؤسساتياً: هل كانت هناك بالفعل رخص استثنائية؟ ومن استفاد منها؟ وعلى أي أساس قانوني وتقني مُنحت؟ وهل كانت لها أي علاقة، مباشرة أو غير مباشرة، بالاستحقاق الانتخابي؟
اتهامات ثقيلة.. ورد رسمي بالنفي
الأهم في هذا الملف أن كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري دخلت على خط الجدل، ولم تترك الاتهامات دون رد، ففي بلاغ صادر في 4 شتنبر، نفت كتابة الدولة بشكل قاطع وجود أي قرار أو امتياز هدفه تمكين أشخاص أو جهات من موارد مالية أو امتيازات يمكن توظيفها لأغراض حزبية أو انتخابية.
كما أوضحت أن القرارات المتعلقة بتدبير مصيدة الأخطبوط تستند إلى المعطيات العلمية والرأي التقني للمعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، مشيرة إلى سلسلة من الإجراءات التي اتخذت خلال غشت وشتنبر 2026 لحماية صغار الأخطبوط ومناطق توالده.
وبحسب المعطيات التي قدمتها كتابة الدولة، فإن قراراً صدر في 17 غشت لإغلاق منطقة جنوب سيدي الغازي لحماية صغار الأحياء البحرية، بينما نص مقرر آخر صادر في 27 غشت على منع الصيد بالجر القاعي في نطاق بحري محدد، قبل أن يتم تقديم موعد إيقاف الصيد، مع اعتماد 10 شتنبر موعداً لتوقف النشاط، استناداً إلى المعطيات العلمية المتعلقة بظهور صغار الأخطبوط.
بمعنى آخر، هناك روايتان متعارضتان: رواية سياسية تتحدث عن استثناءات ذات خلفية انتخابية، ورواية إدارية رسمية تنفي ذلك وتربط القرارات بالمعايير العلمية والتوازنات الاجتماعية والاقتصادية، وهنا تبدأ مسؤولية المؤسسات المستقلة عن السجال الحزبي.
لماذا لا يُحسم الجدل بتحقيق واضح؟
إذا كان المحرشي قد امتلك، كما قال، معطيات دقيقة بشأن وجود تراخيص استثنائية وأسماء مستفيدين وظروف منح تلك التراخيص، فإن الطريق الطبيعي لحسم الجدل ليس تبادل البلاغات والاتهامات، وإنما التحقق من الوثائق والقرارات وسجلات المستفيدين والمساطر القانونية المعتمدة.
وفي المقابل، إذا كانت كتابة الدولة تؤكد أن القرارات اتخذت بناء على آراء علمية ومعايير موضوعية، فإن نشر الوثائق والمعطيات التقنية ذات الصلة من شأنه أن يساعد على إنهاء الجدل وإظهار الأساس الذي قامت عليه تلك القرارات.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه، خصوصاً بعد انتهاء الانتخابات، هو: هل فُتح بحث قضائي رسمي في الاتهامات التي ربطت بين تدبير رخص الصيد وتمويل حملة انتخابية؟ في حدود ما أمكن التحقق منه من المصادر المتاحة، لم يظهر بلاغ رسمي عن النيابة العامة يفيد بفتح بحث في هذا الملف تحديداً.
وهذا لا يعني أن النيابة العامة مطالبة آلياً بفتح تحقيق في كل تصريح سياسي، كما لا يعني أن الاتهامات صحيحة. لكنه يعني أن الملف، إذا تضمن معطيات قابلة للتحقق حول احتمال ارتكاب مخالفات أو جرائم، يمكن أن يخضع للآليات القانونية المختصة، بعيداً عن الحسابات الحزبية.
بعد الانتخابات.. من حق الرأي العام أن يعرف
الانتخابات انتهت، وبالتالي يفترض أن يسقط جزء كبير من المبررات السياسية التي أحاطت بهذا السجال، أما الادعاءات المتعلقة بتدبير الثروة السمكية، فهي لا تنتهي بانتهاء الحملة الانتخابية.
فإذا كانت التراخيص التي تحدث عنها المحرشي موجودة بالفعل، ينبغي أن يعرف الرأي العام طبيعتها وعددها والمستفيدين منها والأساس القانوني لمنحها.
وإذا كانت كتابة الدولة تؤكد أنها لم تمنح أي امتياز لأغراض انتخابية، فإن المعطيات العلمية والإدارية التي استندت إليها قراراتها يمكن أن تشكل أساساً كافياً لتوضيح الصورة.
أما إذا كان هناك اختلاف حول مدى احترام فترة الراحة البيولوجية، فذلك بدوره موضوع تقني يمكن للخبراء والجهات المختصة حسمه بالوثائق والمعطيات العلمية، وليس بالمواقف الحزبية.
الثروة البحرية ليست ورقة انتخابية
القضية في النهاية أكبر من العربي المحرشي وزكية الدريوش، وأكبر من التنافس بين “البام” و”الأحرار”، الأخطبوط مورد بحري عمومي، وتدبيره يرتبط بالحفاظ على المخزون وبمصالح آلاف المهنيين وبالتوازن البيئي والاقتصادي.
لذلك فإن تحويل تدبير هذا المورد إلى مادة للتراشق السياسي يضر بصورة المؤسسات، سواء كانت الاتهامات صحيحة أو غير صحيحة.
وإذا كان هناك شك في قانونية قرارات معينة، فالحسم يجب أن يكون بالوثيقة والخبرة والتحقيق، وإذا لم تكن هناك مخالفات، فإن الرد الرسمي الموثق كفيل بإغلاق الباب أمام التأويلات، أما أن تنتهي الانتخابات وتبقى الاتهامات معلقة في الهواء، فذلك هو أسوأ ما يمكن أن يحدث لثقة المواطن في المؤسسات.
والسؤال الذي يبقى مطروحاً، بعيداً عن نتائج الانتخابات وحسابات الأحزاب: هل ستتحول اتهامات المحرشي إلى ملف موثق يخضع للفحص والتحقق، أم ستبقى مجرد فصل من فصول التراشق الانتخابي الذي انتهى بانتهاء الحملة؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد