أسئلة المحاسبة تلاحق العامل الكراب: من يراقب من بإقليم شيشاوة؟

هبة زووم – شيشاوة
في شيشاوة، يبدو أن سؤال المحاسبة لم يعد قابلاً للتأجيل، خصوصاً مع تنامي الأصوات التي تتساءل عن مآل عدد من الملفات المرتبطة بتدبير الشأن الجماعي، وعن حدود مسؤولية السلطات الترابية في ضمان احترام القانون وحماية المال العام.
ومع اقتراب نهاية الولاية الانتدابية، تتسع دائرة الأسئلة حول حصيلة التدبير المحلي، وحول الملفات التي فُتحت أو أُحيلت أو ظلت عالقة، وحول ما إذا كانت الإجراءات المتخذة في حق بعض المنتخبين قد تحولت فعلاً إلى مسار مؤسساتي واضح يفضي إلى ترتيب المسؤوليات، أم أنها توقفت عند حدود الإجراءات الإدارية.
وفي هذا السياق، يجد عامل إقليم شيشاوة، بوعبيد الكراب، نفسه أمام أسئلة سياسية وإدارية لا يمكن اختزالها في الأشخاص، ولا الإجابة عنها بالشعارات.
فالمواطن الذي يسمع عن توقيف منتخب أو فتح تحقيق أو وجود شبهات حول تدبير المال العام، لا يريد فقط معرفة أن إجراءً إدارياً قد اتُخذ، بل يريد أن يعرف: ماذا كانت النتيجة؟ وهل وصلت الملفات إلى القضاء؟ وهل تم ترتيب المسؤوليات عندما تثبت المخالفات؟
فالوقف أو العزل أو الإعفاء، متى تم وفق القانون، ليس حكماً بالإدانة، كما أن وجود شبهة أو فتح بحث لا يعني ثبوت الجريمة. لكن الخطورة تبدأ عندما تبقى الملفات معلقة زمناً طويلاً دون أن يعرف الرأي العام أين انتهت المساطر، لأن الفراغ المعلوماتي يفتح الباب أمام الشائعات ويغذي الاعتقاد بأن بعض الملفات يمكن أن تختفي داخل دهاليز الإدارة.
وهنا تظهر أهمية مبدأ بسيط: لا أحد فوق القانون، ولا أحد يُدان خارج القانون، فإذا كانت هناك اختلالات مالية أو إدارية ثابتة، فالمطلوب أن تأخذ العدالة مجراها، وإذا لم تثبت المسؤولية، فمن حق المعنيين أن تنتهي الملفات دون أحكام مسبقة، أما أن تبقى الإجراءات في المنطقة الرمادية، بين التوقيف الإداري والانتظار القضائي، فإن ذلك لا يخدم لا الإدارة ولا المنتخبين ولا المواطن.
والأخطر أن استمرار الغموض في مثل هذه الملفات قد ينتج أثراً سياسياً بالغ الخطورة: فقدان الثقة في المؤسسات المنتخبة. فعندما يرى المواطن أن ملفات تدبير المال العام لا تنتهي إلى أجوبة واضحة، قد يصل إلى قناعة خطيرة مفادها أن الانتخابات لا تغير شيئاً، وأن المسؤولية لا ترتبط دائماً بالمحاسبة.
وهذه ليست مجرد مشكلة سياسية، بل مشكلة تمس جوهر المواطنة، فالفساد، عندما يثبت، لا يسرق المال العام فقط، وإنما يسرق أيضاً ثقة المواطن في الدولة وفي المؤسسات وفي فكرة المشاركة السياسية نفسها، ولذلك فإن محاربة الفساد لا ينبغي أن تكون موسمية، ولا مرتبطة بتوازنات انتخابية أو بصراعات داخلية، بل يجب أن تكون مساراً مؤسساتياً دائماً.
وفي شيشاوة، تطرح نهاية الولاية الانتدابية أسئلة أكثر إلحاحاً: ماذا تحقق؟ ما مصير المشاريع المتعثرة؟ ماذا عن تدبير الجماعات الترابية؟ ما مآل الملفات التي أثارت الجدل؟ وهل قامت أجهزة المراقبة بدورها كاملاً؟ وهل تم تفعيل المساطر القضائية حيث توجد أفعال تستوجب ذلك؟ ثم يأتي السؤال الأصعب: من يحاسب من؟ ومن يراقب المراقب؟
فالعمالة ليست جهة قضائية، والعامل ليس قاضياً، ودور السلطة الترابية يجب أن يُفهم داخل الاختصاصات القانونية المحددة لها. لكن ذلك لا يمنع المواطنين من مساءلة السلطة عن كيفية ممارستها لاختصاصاتها في المراقبة والتتبع والتنسيق، وعن مدى حرصها على حماية المصلحة العامة.
كما أن تحميل العامل وحده مسؤولية كل ما يقع داخل الجماعات سيكون تبسيطاً غير دقيق؛ فالمسؤولية موزعة بين المنتخبين والأجهزة الإدارية وأجهزة الرقابة والقضاء، كل بحسب اختصاصه وما يثبت في حقه.
لكن القاعدة التي ينبغي ألا تضيع وسط هذه التشابكات هي أن المال العام ليس غنيمة، والمرفق العمومي ليس مجالاً للمحاباة، والانتخاب ليس شيكاً على بياض.
إن شيشاوة تحتاج اليوم إلى أجوبة واضحة أكثر من حاجتها إلى الخطابات. تحتاج إلى معرفة مآل الملفات، وإلى مؤسسات رقابية تقوم بدورها، وإلى قضاء مستقل يفصل في الوقائع، وإلى منتخبين يدركون أن المسؤولية تكليف وليست امتيازاً، أما ترك الملفات معلقة، أو الاكتفاء بإجراءات إدارية دون توضيح مآلاتها، فإنه لن يؤدي إلا إلى تعميق الإحساس بالإفلات من العقاب.
والسؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحاً أمام الجميع ليس: من يريد إسقاط هذا المسؤول أو ذاك؟ وإنما: هل تُطبق قواعد المسؤولية والمحاسبة على الجميع بالمعايير نفسها؟ ذلك هو الاختبار الحقيقي لأي تدبير ترابي.
وفي نهاية المطاف، لا يحتاج المواطن إلى محاكمات في الإعلام، ولا إلى اتهامات جاهزة، بل إلى حقيقة واحدة: إن ثبتت المخالفة، فليتحمل صاحبها مسؤوليته أمام القضاء؛ وإن لم تثبت، فليُرفع عنه الاتهام.
أما الملفات التي تبقى معلقة بين هذا وذاك، فهي التي تقتل الثقة ببطء، وتحوّل شعار «ربط المسؤولية بالمحاسبة» من مبدأ دستوري إلى مجرد عبارة تتكرر في المناسبات.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد