هبة زووم – علال الصحراوي
لم تعد الخلافات داخل جماعة أزكور بإقليم الحوز مجرد تباينات عابرة حول تدبير الشأن المحلي، بعدما اختار عدد من أعضاء المجلس الجماعي نقل ملاحظاتهم إلى عامل الإقليم، عبر شكاية مؤرخة في 23 يونيو 2026، تثير تساؤلات بشأن نفقات وطلبيات عمومية، وتضع طريقة برمجة مشاريع التجهيز وإصلاح المسالك الطرقية تحت مجهر المساءلة.
وتكشف مضامين الشكاية، بحسب ما أورده أصحابها، عن ملفات تستدعي توضيحات دقيقة، ليس فقط لاحتواء التجاذبات داخل المجلس، وإنما أيضاً لضمان حق الساكنة في معرفة كيفية تدبير الموارد الجماعية، والمعايير التي تتحكم في توجيهها نحو هذا المشروع أو ذاك.
من بين النقاط التي أثارها أعضاء المجلس مصاريف الإطعام المرتبطة بدورة فبراير 2026، والتي بلغت 16.780 درهماً، إلى جانب اقتناء 590 كيساً من الإسمنت خلال سنة 2025، وطلبية أخرى خلال سنة 2026 لفائدة دوار تزكي.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن القفز عليه: ما طبيعة هذه النفقات والطلبيات؟ وكيف جرى توثيقها وتبريرها؟ وأين استُعملت مواد البناء المقتناة، ومن استفاد منها؟ وهل تتوفر الجماعة على الوثائق التي تتيح تتبع عمليات الاقتناء والتوزيع والاستعمال بصورة واضحة وقابلة للتحقق؟
إن إثارة هذه الأسئلة لا تعني توجيه اتهام مسبق إلى أي جهة، لكنها تضع مبدأ الشفافية أمام امتحان حقيقي؛ فالتدبير الجيد للمال العام لا يقوم على الاكتفاء بتسجيل النفقات والطلبيات، بل يقتضي القدرة على تقديم مبرراتها، وإثبات أوجه استعمالها، وإتاحة المعطيات اللازمة للرقابة.
ولا يمكن التعامل مع المطالب الرامية إلى توضيح هذه العمليات باعتبارها مجرد خلافات سياسية أو حسابات داخلية، لأن المال الجماعي ليس ملكاً لأغلبية أو معارضة، بل هو مورد عمومي يفترض أن يخضع لقواعد الوضوح والتتبع والمساءلة.
وإذا كانت النفقات والطلبيات قد فتحت باب التساؤلات حول التدبير المالي، فإن ملف التجهيز يطرح بدوره إشكالاً لا يقل أهمية، يتعلق بالمعايير المعتمدة في تحديد أولويات المشاريع، ومدى استجابتها للحاجيات الحقيقية للساكنة.
فقد سجل أصحاب الشكاية تحفظات بشأن تهيئة المسلك الرابط بين تيفيريت واداسيل، مشيرين إلى أن الطلب المتعلق به لم يُدرج ضمن ميزانية التجهيز، وفق ما ورد في الوثيقة، كما طالبوا بإعادة النظر في ترتيب أولويات إصلاح المسالك الطرقية بمختلف دواوير الجماعة.
وهذا المعطى يفتح النقاش حول سؤال جوهري: على أي أساس تُحدد المشاريع التي تستفيد من البرمجة والتمويل، بينما تظل مطالب أخرى محل تحفظ أو تأجيل؟ وهل تستند الاختيارات إلى تشخيص ميداني واضح للحاجيات، أم أن الأمر يتطلب مراجعة تضمن توزيعاً أكثر توازناً للتجهيزات بين مختلف المناطق؟
فالمسالك الطرقية ليست تفصيلاً تقنياً في ميزانية الجماعة، بل شريان أساسي لحياة السكان، يرتبط بالتنقل والوصول إلى الخدمات والمرافق، وقد يتحول إهمالها إلى عبء يومي على المواطنين، خصوصاً في المناطق التي تعتمد على طرق ومسالك محدودة.
إن إحالة هذه الملاحظات على عامل إقليم الحوز تضع الملف أمام ضرورة التحقق من المعطيات الواردة في الشكاية، والاستماع إلى توضيحات رئاسة المجلس الجماعي، والوقوف على الوثائق المرتبطة بالنفقات والطلبيات وبرمجة مشاريع التجهيز.
والمطلوب هنا ليس إصدار أحكام جاهزة أو الانحياز إلى طرف في مواجهة آخر، بل ضمان التعامل الجدي مع الأسئلة المثارة، وتحديد ما إذا كانت الملاحظات تتعلق باختلاف في تقدير الأولويات، أم أنها تستدعي تدقيقاً إدارياً أو مالياً أوسع.
كما أن رئاسة الجماعة مطالبة، من منطلق المسؤولية التدبيرية، بتقديم توضيحات واضحة بشأن النقاط المثارة، لأن الصمت عن الأسئلة المشروعة لا يساعد على تبديد الشكوك، مثلما أن إثارة الشبهات لا تكفي وحدها لإثبات وجود مخالفات.
ما يجري داخل جماعة أزكور يعيد إلى الواجهة إشكالية أعمق في تدبير الشأن المحلي: هل تتحول الخلافات بين المنتخبين إلى فرصة لتقوية الرقابة وتحسين التدبير، أم تظل مجرد تجاذبات تنتهي بتبادل الاتهامات دون أن يحصل المواطن على أجوبة واضحة؟
إن الاختبار الحقيقي لا يكمن في عدد الشكايات المتبادلة، بل في مدى القدرة على كشف المعطيات، وتبرير النفقات، وتوضيح مسار الطلبيات، وإقناع الساكنة بأن أولويات التجهيز تُحدد وفق الحاجيات الفعلية والمصلحة العامة.
وفي انتظار التحقق من مضامين الشكاية والاستماع إلى ردود الجهات المعنية، تبقى الأسئلة المطروحة مشروعة من زاوية الرقابة على المال العام، لكن الحسم في أي مسؤولية محتملة يظل رهيناً بالوثائق والمعطيات المثبتة.
ففي تدبير الشأن الجماعي، لا تكفي الشعارات لتبديد الشكوك، ولا تكفي الاتهامات لإثبات المخالفات؛ وحدها الوثائق والشفافية والمساءلة قادرة على كشف الحقيقة.
تعليقات الزوار