الحسيمة وغرفة التجارة.. أين تنتهي الوعود الانتخابية وتبدأ محاسبة الحصيلة؟

هبة زووم – المراسل
في إقليم لا تزال تحديات البطالة وضعف النسيج الاقتصادي تثقل كاهل فئاته الشابة والمهنية، لم يعد كافياً أن يحقق ممثلوه نجاحاً انتخابياً أو يحجزوا مواقع داخل المؤسسات المهنية والمنتخبة؛ فالمعيار الحقيقي للتمثيلية هو ما تستطيع تحويله من نفوذ انتخابي إلى مشاريع ملموسة، ومن حضور مؤسساتي إلى فرص تكوين وتأهيل ودعم لفائدة التجار والمقاولين والباحثين عن الشغل.
ومن هذا المنطلق، تبرز تساؤلات بشأن حصيلة تمثيلية الحسيمة داخل غرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، ولا سيما على مستوى لجنة التكوين والتعليم المستمر، التي يفترض أن تضطلع بدور محوري في تأهيل الموارد البشرية ومواكبة التحولات الاقتصادية والمهنية.
فحين تتقلد الكفاءات المنتخبة مسؤوليات داخل مؤسسات يفترض أن تخدم التنمية المحلية، يصبح من المشروع طرح أسئلة بشأن البرامج المنجزة، والميزانيات المرصودة، والشراكات المبرمة، ومدى استفادة المقاولات الصغيرة والمهنيين بإقليم الحسيمة من خدمات التكوين والتأهيل.
لقد أظهرت الانتخابات المهنية قدرة بعض الفاعلين المحليين على بناء قواعد انتخابية واختراق التوازنات الحزبية التقليدية، مستفيدين من شبكات العلاقات والامتدادات العائلية والسياسية. غير أن هذا الرصيد، مهما بلغت قوته في صناديق الاقتراع، لا يشكل في حد ذاته ضمانة لتحقيق مكاسب تنموية للإقليم.
فالانتقال من التمثيلية المهنية إلى مواقع المسؤولية داخل المجالس المنتخبة والمؤسسات الجهوية يضع أصحابه أمام امتحان مختلف تماماً: امتحان النتائج والقدرة على انتزاع المشاريع والموارد، والتأثير في القرارات التي تحدد أولويات التنمية وتوزيع الاستثمارات والبرامج.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما الذي تحقق فعلياً لفائدة الحسيمة مقابل هذا الحضور الانتخابي والمؤسساتي؟ وهل استطاع ممثلو الإقليم تحويل مواقعهم إلى أدوات ضغط فعالة لضمان نصيب عادل من البرامج والتمويلات الجهوية؟
إن الإجابة لا ينبغي أن تستند إلى الانطباعات أو الحسابات السياسية وحدها، بل إلى حصيلة قابلة للقياس، تتضمن المشاريع المنجزة، وعدد المستفيدين، وحجم الموارد المعبأة، ومدى انعكاسها على النشاط الاقتصادي المحلي.
وتكتسي لجنة التكوين والتعليم المستمر أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الاختصاصات المرتبطة بها، وإلى حاجة التجار والحرفيين والمقاولين الصغار إلى مواكبة مستمرة تساعدهم على تطوير أنشطتهم ومواجهة التحولات المتسارعة في عالم الأعمال.
لكن التحدي المطروح يتمثل في مدى استفادة الحسيمة من البرامج التكوينية التي تشرف عليها الغرفة الجهوية، ومدى التوازن في توزيع المبادرات بين مختلف أقاليم الجهة.
فإذا كانت المراكز الاقتصادية الكبرى تستفيد من فرص أوسع للتكوين والشراكات والمواكبة، فإن العدالة المجالية تقتضي ضمان وصول الخدمات نفسها، بما يتناسب مع خصوصيات كل إقليم وحاجياته، إلى المناطق التي تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية أكبر.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى نشر معطيات واضحة بشأن عدد الدورات التكوينية المنظمة بالحسيمة، والميزانيات المخصصة لها، وطبيعة المستفيدين، والقطاعات المستهدفة، مقارنة ببقية أقاليم الجهة. فهذه المؤشرات وحدها كفيلة بتحديد ما إذا كانت هناك بالفعل فجوة في الاستفادة، أم أن الأمر يتعلق بتفاوت في الحاجيات أو في طبيعة البرامج المنفذة.
أما الاكتفاء بأنشطة محدودة أو موسمية، إن ثبت ذلك من خلال الحصيلة الرسمية، فلن يكون كافياً لمواجهة التحديات التي تعترض المقاولات الصغيرة والمهنيين، ولا لتأهيل الشباب الراغب في إطلاق مشاريع اقتصادية جديدة.
لم تعد حاجيات المقاولات تقتصر على التكوينات التقليدية في التدبير والتسيير، بل أصبحت تشمل التجارة الإلكترونية، والتسويق الرقمي، والذكاء الاصطناعي في إدارة المقاولات، وتطوير سلاسل التوزيع، وآليات الولوج إلى الأسواق والتصدير.
وتفرض هذه التحولات على لجنة التكوين والتعليم المستمر مراجعة أولوياتها، والانتقال من منطق الأنشطة الظرفية إلى برامج سنوية تستند إلى تشخيص دقيق لحاجيات النسيج الاقتصادي المحلي.
وبالنسبة إلى الحسيمة، يمكن أن يشكل تثمين المنتجات البحرية، والسياحة المستدامة، والاقتصاد الأزرق، وتطوير الخدمات الرقمية، مجالات واعدة لبناء برامج تكوينية مرتبطة بفرص الاستثمار والتشغيل، شريطة أن تستند إلى دراسات واقعية وشراكات عملية، لا إلى شعارات عامة يصعب قياس أثرها.
كما أن ضعف التواصل، إن أكدته المعطيات الميدانية، قد يحرم عدداً من التجار والمهنيين من الاستفادة من الخدمات المتاحة. وهو ما يجعل التواصل المؤسساتي جزءاً أساسياً من مسؤولية الغرفة، وليس مجرد نشاط ثانوي يمكن تأجيله أو الاستغناء عنه.
إن استدراك أي تأخر محتمل في هذا المجال يقتضي خطوات عملية تبدأ بإعداد حصيلة مفصلة للبرامج المنجزة، وتحديد حاجيات المهنيين، ووضع خطة تكوين سنوية خاصة بالإقليم، تتضمن أهدافاً واضحة ومؤشرات قابلة للتقييم.
ومن بين المقترحات التي تستحق الدراسة، إحداث مركز قار للتكوين والتأهيل المستمر بالحسيمة، أو اعتماد آلية دائمة تضمن انتظام البرامج واستمراريتها، بدل الاكتفاء بمبادرات متفرقة لا تسمح ببناء أثر طويل المدى.
كما يمكن تعزيز التعاون بين الغرفة والمؤسسات الجامعية ومراكز التكوين المهني والفاعلين الاقتصاديين، من أجل ربط التكوين بحاجيات السوق، ومواكبة حاملي المشاريع، وتطوير قدرات المقاولات الصغيرة على تدبير أنشطتها وتسويق منتجاتها.
ويظل إحداث هذه المبادرات رهيناً بتعبئة الموارد اللازمة، وتحديد المسؤوليات، وضمان التنسيق بين مختلف المتدخلين، إلى جانب نشر حصيلة دورية تسمح للمهنيين والرأي العام بتقييم النتائج ومساءلة المسؤولين عن تنفيذ الالتزامات.
إن النقاش حول أداء التمثيلية المهنية بالحسيمة لا ينبغي أن يتحول إلى تصفية حسابات سياسية، كما لا يجوز أن يبقى أسير التبريرات العامة. فالمطلوب هو الانتقال إلى تقييم موضوعي يستند إلى الأرقام والوثائق، ويقارن بين الالتزامات والنتائج، ويكشف مكامن القوة والقصور على حد سواء.
كما أن بناء تحالفات داخل المؤسسات الجهوية قد يساعد على تعبئة الموارد والدفاع عن مصالح الإقليم، لكن معيار نجاح هذه التحالفات يظل في ما تحققه من برامج ومشاريع، لا في طبيعة الاصطفافات السياسية وحدها.
وفي انتظار تقديم حصيلة مفصلة عن عمل لجنة التكوين والتعليم المستمر، تظل أسئلة مشروعة مطروحة: كم دورة تكوينية استفاد منها مهنيّو الحسيمة؟ وما حجم التمويلات التي وُجهت إلى الإقليم؟ وما الشراكات التي أُبرمت لفائدة مقاولاته؟ وهل توجد خطة واضحة لتطوير التكوين وربطه بالقطاعات الاقتصادية الواعدة؟
فالنجاح الانتخابي يمنح صاحبه شرعية التمثيل، لكنه لا يمنحه صكاً مفتوحاً للإعفاء من المساءلة. وبين المقعد والحصيلة مسافة لا يختصرها النفوذ السياسي، بل تقاس بما يتحقق على أرض الواقع من فرص وتكوين ومشاريع تخدم الإقليم وساكنته.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد