هبة زووم / حسن لعشير
عادت تداعيات الهجرة الجماعية نحو مدينة سبتة المحتلة إلى الواجهة، عقب الموجة التي شهدتها المنطقة يومي 30 و31 يوليوز 2026، عندما حاولت أعداد كبيرة من الأشخاص العبور نحو المدينة، سواء سباحة عبر الواجهة البحرية أو من خلال المعابر البرية، في سياق قالت المعطيات المتداولة إنه تأثر بدعوات جرى تداولها على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وتأتي هذه التطورات في ظل ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة، تفاقمت، بحسب روايات متداولة، عقب إغلاق باب سبتة وتشديد الإجراءات المرتبطة بالتهريب المعيشي، الأمر الذي عمّق حالة الاحتقان لدى فئات من سكان المنطقة، خصوصاً الشباب.
وتكشف شهادات متداولة من داخل سبتة عن أوضاع إنسانية صعبة يعيشها عدد من المهاجرين الذين تمكنوا من الوصول إلى المدينة، في ظل صعوبة إيجاد أماكن للإيواء واستمرار تشديد السلطات الإسبانية لإجراءاتها.
وفي شهادة لشاب إسباني مسلم، من مواليد مدينة سبتة وينحدر من أسرة إسبانية، تحدث عن التحولات التي عرفتها ظاهرة الهجرة إلى المدينة، معتبراً أن الهجرة إليها ليست ظاهرة جديدة، لكنها اتخذت خلال الفترة الأخيرة أبعاداً غير مسبوقة، بحسب روايته.
وأوضح المتحدث أن أعداد المهاجرين كانت في السابق محدودة، وكانت تتراوح، وفق تقديره، بين 100 و150 شخصاً في بعض الفترات، حيث كان عدد من سكان سبتة من المسلمين يقدمون لهم الطعام والملابس، بينما كان آخرون يجدون مأوى مؤقتاً لدى معارفهم أو داخل بعض أماكن الاحتضان.
غير أن الوضع، وفق الشهادة ذاتها، تغير بشكل كبير خلال الفترة الأخيرة، بعدما أصبحت المدينة تواجه تدفقاً واسعاً للمهاجرين، بينهم شباب وقاصرون ونساء، وهو ما انعكس على ظروف الإيواء والخدمات والقدرة على استيعاب الوافدين الجدد.
وتحدث الشاب الإسباني المسلم عن معاناة عدد من المهاجرين من ظروف صحية صعبة، من بينها الإصابة بالحكة، فضلاً عن اضطرار بعضهم إلى المبيت في العراء، في وقت يلجأ فيه بعض المهاجرين إلى المساجد طلباً للراحة والاستقرار المؤقت.
كما حذر من تفاقم الوضع مع اقتراب فصل الشتاء، متسائلاً عن قدرة هؤلاء الأشخاص على الاستمرار في المبيت خارج أماكن الإيواء، في ظل انخفاض درجات الحرارة والظروف المناخية الصعبة.
وبحسب المعطيات الواردة في الرواية المتداولة، قدرت السلطات المحلية الإسبانية عدد الأشخاص الذين تمكنوا من دخول المدينة خلال موجة الهجرة بنحو 72 ألفاً إلى 80 ألف شخص، وهي أرقام كبيرة تعكس حجم الضغط الذي واجهته المدينة خلال تلك الفترة.
غير أن هذه الأرقام والمعطيات تحتاج، بالنظر إلى حساسيتها وحجمها، إلى تدقيق ومقارنة مع المعطيات الرسمية الصادرة عن مختلف الجهات المعنية، خصوصاً أن ملف الهجرة في سبتة يرتبط بمعطيات أمنية وإنسانية وإدارية متشابكة.
وفي المقابل، يشدد الشاب الإسباني المسلم على أن الوصول إلى سبتة لا يعني بالضرورة الانتقال إلى إسبانيا القارية، نافياً أن تكون عملية العبور مقدمة تلقائية لنقل المهاجرين إلى باقي التراب الإسباني.
وبحسب شهادته، فإن عدداً من المهاجرين يعتمدون، خلال الفترة الأولى، على مساعدات مالية ترسلها لهم أسرهم في المغرب، غير أن هذه المساعدات تظل محدودة ولا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، ما يزيد من صعوبة وضعية الأشخاص الذين لا يتوفرون على موارد أو مأوى.
وفي موازاة ذلك، تواصل السلطات الإسبانية تشديد الإجراءات المرتبطة بتجمعات المهاجرين، مع تفكيك عدد من المخيمات العشوائية التي أقيمت في بعض الشواطئ والمستودعات والأماكن المفتوحة داخل المدينة.
وتطرح هذه الإجراءات إشكالية إنسانية وأمنية في آن واحد، إذ تجد السلطات نفسها أمام ضرورة تدبير تدفقات بشرية كبيرة، في الوقت الذي يواجه فيه عدد من الوافدين أوضاعاً اجتماعية وصحية صعبة، وسط محدودية أماكن الإيواء.
ومن أكثر الملفات إثارة للجدل عقب موجة الهجرة الجماعية، قضية القاصرين غير المصحوبين بذويهم، في ظل اختلاف الروايات بشأن مصيرهم وآليات التعامل معهم.
ففي الوقت الذي تحدثت فيه الرواية المغربية عن إعادة مئات القاصرين عبر معبر الفنيدق، نقلت روايات عن مسؤولين إسبان نفياً لتسليم أي طفل قاصر للجانب المغربي، مع التأكيد، وفق هذه الروايات، على أن عمليات العودة اقتصرت على الأشخاص البالغين.
ويعكس هذا التباين في المعطيات الحاجة إلى توضيح رسمي ودقيق بشأن أعداد القاصرين المعنيين، وأوضاعهم القانونية، والجهات التي تتولى رعايتهم، فضلاً عن طبيعة الترتيبات المعتمدة في حالات العودة.
وتبقى قضية اللجوء واحدة من أكثر الملفات التي تحيط بها التوقعات لدى بعض الوافدين إلى سبتة، غير أن الشهادة المتداولة من داخل المدينة تقدم صورة متشائمة عن إمكانية تحقيق هذا المسار بالنسبة إلى جميع المهاجرين.
وبحسب الشاب الإسباني المسلم، فإن الاعتقاد بأن مجرد الوصول إلى سبتة يفتح الطريق بشكل تلقائي نحو الحصول على اللجوء أو الانتقال إلى إسبانيا القارية لا يعكس، حسب روايته، حقيقة الإجراءات المعمول بها.
وهكذا، تبدو موجة الهجرة الجماعية التي شهدتها المنطقة خلال يوليوز الماضي أبعد من مجرد أرقام ومحاولات عبور، بعدما كشفت عن تعقيدات اجتماعية وإنسانية وأمنية تتجاوز لحظة الوصول نفسها.
فوراء كل محاولة للعبور قصة مختلفة، لكن المشترك بينها هو اصطدام كثير من الآمال بواقع مغاير داخل سبتة، حيث لا يعني الوصول بالضرورة نهاية الرحلة، بل قد يكون بداية لمرحلة جديدة من الانتظار وعدم اليقين، في ظل تشديد الإجراءات، محدودية الإيواء، واقتراب ظروف الشتاء.
تعليقات الزوار