تطوان.. ساعة من الأمطار الخفيفة تكشف اختلالات البنية التحتية وتعيد مخاوف الفيضانات إلى الواجهة

هبة زووم / حسن لعشير
كشفت التساقطات المطرية الأخيرة التي شهدتها مدينة تطوان، رغم محدودية مدتها وحدّة كمياتها، عن مجموعة من الاختلالات التي تطال البنية التحتية وشبكة تصريف مياه الأمطار، بعدما تحولت عدد من الشوارع والمحاور الطرقية إلى نقاط لتجمع المياه، وتعطلت حركة السير في مشاهد أعادت إلى الواجهة مخاوف الساكنة من تكرار سيناريوهات الفيضانات مع كل موسم شتوي.
ولم تحتج المدينة، بحسب ما أفرزته هذه التساقطات، إلى ساعات طويلة من الأمطار حتى تظهر مظاهر الهشاشة؛ إذ كانت ساعة واحدة من التساقطات الخفيفة كافية لإبراز محدودية قدرة بعض قنوات الصرف ومجاري المياه على استيعاب الكميات المتساقطة، خصوصاً على مستوى الطريق الدائري ومدخل المدينة بمحاذاة تجزئة الوقاية، حيث تجمعت المياه بشكل أعاق حركة المرور وأثار تساؤلات حول مدى جاهزية شبكة تصريف مياه الأمطار.
وتزداد حدة هذه المفارقة بالنظر إلى الطبيعة الجغرافية للمنطقة، التي تتوفر على انحدارات طبيعية في اتجاه وادي مرتيل، انطلاقاً من محيط الموقع الأثري تمودة، مروراً بجوار الطريق الدائري ومنطقة كويلما وبني معدان، وصولاً إلى شاطئ مرتيل. ورغم هذه المعطيات، ظلت المياه متجمعة في عدد من النقاط، وكأن شبكة التصريف عاجزة عن أداء وظيفتها الأساسية، في ظل ما يُثار بشأن انسداد بعض المجاري بفعل النفايات ومخلفات الأوساخ.
ولم تقتصر مظاهر الاختلال على المحاور الرئيسية، بل امتدت إلى عدد من الأزقة والشوارع بالأحياء الشعبية، التي تحولت مع نزول الأمطار إلى ما يشبه المجاري المائية، كما هو الحال بشارع ترجست المنحدر في اتجاه حي الرمانة، حيث غمرت المياه أجزاء من الطريق وحولتها إلى برك واسعة، ما زاد من صعوبة تنقل المواطنين ومستعملي الطريق.
وتعيد هذه المشاهد طرح سؤال جوهري حول مدى نجاعة التدخلات المرتبطة بتدبير شبكة تصريف مياه الأمطار، ومدى خضوع القنوات والمجاري لعمليات الصيانة والتنقية الدورية، خصوصاً قبل حلول فصل الشتاء، فالمشكل، وفق الانتقادات التي رافقت هذه الوضعية، لا يرتبط فقط بالتساقطات المطرية، وإنما يمتد إلى اختلالات محتملة في البنية التحتية، وضعف قدرة بعض المنشآت على استيعاب المياه وتوجيهها نحو مجاريها الطبيعية.
وأمام هذه الوضعية، تتعالى المطالب بضرورة مضاعفة الجهود لتأهيل البنيات التحتية، وإعادة النظر في النقط السوداء التي تتكرر فيها تجمعات المياه، إلى جانب تسريع إنجاز مشاريع الحماية من الفيضانات، مع الحرص على احترام معايير الجودة والمراقبة التقنية، حتى لا تتحول هذه المشاريع إلى تدخلات ظرفية لا تصمد أمام أولى التساقطات.
وفي سياق متصل، دخل عادل بنوتة، عضو مجلس جماعة تطوان عن المعارضة والمنتمي إلى حزب العدالة والتنمية، على خط هذه الانتقادات، مطالباً بحلول لجنة من المجلس الجهوي للحسابات من أجل افتحاص أوجه صرف المال العام، والوقوف على مدى ارتباط النفقات والمشاريع المنجزة بتحقيق أهداف التنمية المحلية والاستجابة لحاجيات المدينة.
ويضع هذا المطلب تدبير المشاريع المرتبطة بالبنية التحتية أمام اختبار الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، خصوصاً في ظل استمرار ظهور اختلالات ميدانية مع كل تساقطات مطرية، بما يستدعي توضيحاً بشأن طبيعة الأشغال المنجزة، وجودتها، ومدى مطابقتها للمعايير التقنية، فضلاً عن تقييم أثرها الفعلي على حماية المدينة وساكنتها.
إن ما شهدته تطوان لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد مشهد عابر تفرضه التقلبات الجوية، بل مناسبة لفتح نقاش جدي حول نجاعة التخطيط الحضري، وجودة شبكات التطهير وتصريف مياه الأمطار، وفعالية آليات المراقبة والصيانة. فالمدينة لا تحتاج إلى حلول موسمية أو تدخلات بعد وقوع الأضرار، بقدر ما تحتاج إلى بنية تحتية قادرة على استيعاب التساقطات، وإلى تدبير يضع سلامة المواطنين وحماية الممتلكات في صدارة الأولويات.
فحين تكفي ساعة من الأمطار الخفيفة لكشف مواطن الخلل وتعطيل حركة السير، يصبح من المشروع طرح أسئلة واضحة حول جودة المشاريع المنجزة، وكيفية تدبير الاعتمادات المرصودة لها، والجهات المسؤولة عن تتبعها وصيانتها. وهي أسئلة تنتظر أجوبة عملية، لا سيما أن الاستعداد لموسم الأمطار يفترض أن يبدأ قبل هطولها، لا بعد أن تتحول الشوارع إلى برك مائية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد