ورزازات.. حين يشتكي العاملون داخل المستشفى فمن ينصت إلى أنين المرضى خارجه؟

هبة زووم – ورزازات
لم تعد التساؤلات المطروحة حول واقع الخدمات الصحية بالمستشفى الإقليمي سيدي حساين بناصر بورزازات شأناً يهم الأطر الصحية والنقابات المهنية وحدها، بعدما بدأت الأصوات النقابية ترفع منسوب التنبيه إلى ما تصفه باختلالات في التدبير والإدارة، وما قد يترتب عنها من انعكاسات على السير العادي للمؤسسة وجودة الخدمات المقدمة للمرتفقين. فحين يصبح العاملون داخل المرفق الصحي أنفسهم طرفاً في دق ناقوس الخطر، فإن الأمر يتجاوز حدود الخلافات المهنية ليطرح أسئلة أعمق بشأن وضع مؤسسة يفترض أن تكون ملاذاً للمرضى ومقصداً للباحثين عن العلاج.
ومن موقع المواطنة والانتماء إلى هذه المدينة، يحق لكل ورزازي أن يتساءل: إذا كان المهنيون، وهم الأكثر اطلاعاً على تفاصيل العمل اليومي داخل المستشفى والأقدر على رصد مكامن الخلل، قد وجدوا أنفسهم مضطرين إلى الاحتجاج والتنبيه إلى ما يعتبرونه اختلالات مؤثرة، فكيف يمكن للمواطن البسيط أن يواجه واقعاً صحياً يجد فيه نفسه أحياناً أمام مواعيد مؤجلة، وانتظارات طويلة، وصعوبات في الولوج إلى خدمات يفترض أن تكون حقاً متاحاً للجميع؟
إن المفارقة المؤلمة تكمن في أن المعاناة لم تعد، وفق ما تعكسه هذه الأصوات، مقتصرة على المريض الذي يقصد المستشفى بحثاً عن العلاج، بل تمتد أيضاً إلى المهني الذي يزاول عمله داخل المؤسسة، ويجد نفسه بدوره أمام إشكالات تستدعي المعالجة.
وهكذا، يصبح العامل الصحي في مواجهة صعوبات مرتبطة بظروف اشتغاله وتدبير المؤسسة، فيما يواجه المواطن تداعياتها المحتملة على مستوى الاستقبال والتطبيب وجودة الخدمات. وبين الطرفين، يظل المريض الحلقة الأكثر هشاشة، والأولى بالحماية والإنصاف.
ولا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن طرف ضد آخر، أو الانخراط في سجال بين الإدارة والنقابات، بقدر ما يتعلق بطرح سؤال جوهري: من يحمي حق المواطن في العلاج حين تتراكم الشكاوى وتتعالى أصوات التنبيه دون أن يلمس المرتفق نتائج واضحة على أرض الواقع؟
فالمستشفى العمومي ليس ملكية خاصة لإدارة أو مسؤول، ولا مجالاً لتصفية الحسابات أو تغليب الاعتبارات الشخصية والمهنية، وإنما هو مرفق عمومي أُحدث لخدمة المواطنين، وتُقاس فعاليته بقدرته على الاستجابة لحاجياتهم الصحية وصون كرامتهم، لا بمجرد التقارير الإدارية أو التصريحات التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ.
ومن هذا المنطلق، فإن ساكنة ورزازات لا تطالب بالمستحيل، ولا تنتظر شعارات جديدة حول إصلاح المنظومة الصحية، بقدر ما تتطلع إلى خدمات ملموسة، ومواعيد معقولة، وظروف استقبال لائقة، وتدبير يضمن الاستمرارية والنجاعة، ويضع مصلحة المريض فوق كل اعتبار. كما أن من حقها معرفة حقيقة الصعوبات التي يتحدث عنها المهنيون، ومدى تأثيرها على أداء المستشفى، وما إذا كانت الجهات المسؤولة قد وضعت خطة واضحة لمعالجتها.
إن إثارة الاختلالات، متى استندت إلى معطيات جدية، لا ينبغي أن تُقابل بالتجاهل أو التعامل معها باعتبارها مجرد تشويش على عمل المؤسسة، بل يتعين أن تشكل مدخلاً لفتح نقاش مسؤول، والاستماع إلى مختلف الأطراف، وإجراء تقييم موضوعي لواقع التدبير والخدمات، مع ترتيب المسؤوليات بناء على نتائج التحقق، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو تبادل الاتهامات.
والأهم من ذلك كله، أن تتحول هذه النقاشات إلى إجراءات عملية يشعر المواطن بأثرها، لأن الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الاجتماعات أو البلاغات، وإنما بمدى التحسن الذي يلمسه المريض عندما يلج المستشفى، وبمدى قدرة الأطر الصحية على أداء مهامها في ظروف مهنية وإنسانية مناسبة.
إن استمرار التساؤلات حول واقع المستشفى الإقليمي سيدي حساين بناصر يضع الجهات الصحية والإدارية المعنية أمام مسؤولية التواصل والتوضيح، كما يفرض عليها تقديم أجوبة واضحة بشأن التدابير المزمع اتخاذها لمعالجة الإشكالات المطروحة، إن ثبتت، وضمان حق الساكنة في خدمات صحية تحفظ الكرامة وتستجيب للحاجيات.
فإلى متى ستظل ساكنة ورزازات تنتظر أجوبة عملية؟ ومن سيبادر إلى معالجة مكامن الخلل بدل الاكتفاء بتدبير تداعياته؟ وهل تتحول أصوات المهنيين والمرتفقين إلى فرصة حقيقية لإعادة ترتيب البيت الداخلي للمؤسسة؟
إن صحة المواطنين ليست موضوعاً للمجاملة، ولا ورقة في صراع مهني أو إداري، وليست امتيازاً تمنحه جهة أو تحجبه أخرى؛ إنها حق أساسي لا يقبل التأجيل أو المساومة. وما تحتاجه ورزازات اليوم ليس البحث عمن يرفع صوته، بل الإنصات إلى كل الأصوات، والتحقق من حقيقة ما تطرحه، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، ثم الشروع في إصلاح يعيد للمستشفى مكانته كمرفق عمومي في خدمة الإنسان وكرامته.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد