مكناس.. حياة الماعز تتكرر في الحانات والملاهي والعمال يواجهون هشاشة الشغل وغياب الحماية

هبة زووم – مكناس
خلف الأضواء اللامعة والواجهات الفاخرة التي تحاول بها بعض الحانات والملاهي الليلية بمدينة مكناس تقديم صورة عن “البرستيج” والخدمات الراقية، تبرز، بحسب معطيات وشهادات متداولة في أوساط مهنية، صورة أخرى أكثر قتامة ترتبط بظروف اشتغال عدد من عمال الخدمات، الذين يجدون أنفسهم أمام ساعات عمل طويلة ووضعيات مهنية هشة، في غياب ما يكفي من الضمانات التي يفترض أن توفرها مدونة الشغل ومنظومة الحماية الاجتماعية.
وفي هذا المشهد، تبدو حكاية فيلم “حياة الماعز”، الذي أثار نقاشاً واسعاً حول الاستغلال والكرامة الإنسانية، وكأنها تستعاد بشكل مختلف داخل بعض فضاءات العمل الليلي، حيث يتحول العامل، خصوصا النساء منهم، في نظر منتقدين، إلى الحلقة الأضعف في سلسلة اقتصادية تستفيد من جهده بينما يظل هو في مواجهة هشاشة الدخل وغياب الاستقرار المهني.
وتتحدث معطيات متداولة عن انتشار العمل بعقود شفهية أو ترتيبات مهنية غير واضحة، خصوصاً في بعض الأنشطة المرتبطة بالمطاعم والحانات والملاهي، وهو ما يطرح أسئلة جدية حول مدى احترام الحقوق الأساسية للأجراء ومدى استفادتهم من منظومة الحماية الاجتماعية.
وتكتسي مسألة التصريح بالأجراء أهمية خاصة، بالنظر إلى أن الانخراط في منظومة الحماية الاجتماعية يرتبط بحقوق ومنافع أساسية لفائدة الأجراء، من بينها التغطية الصحية والتعويضات الاجتماعية وغيرها من الحقوق التي تظل مرتبطة بوضعية العامل المهنية والقانونية. كما أن مدونة الشغل تشكل الإطار الأساسي لتنظيم علاقة الشغل وحماية عدد من الحقوق المهنية.
لكن الإشكال، بحسب مهنيين، لا يتوقف عند مسألة التصريح أو طبيعة العقد، بل يمتد إلى ظروف العمل نفسها، من طول ساعات الاشتغال إلى هشاشة الاستقرار المهني، مروراً بالخوف من فقدان مصدر الدخل في أي لحظة، وهي وضعية تجعل الكثير من العمال، وفق ما يروج في القطاع، يترددون في المطالبة بحقوقهم خشية الإقصاء أو الاستغناء عن خدماتهم.
وتزداد صعوبة هذه الوضعية عندما يجد العامل نفسه مضطراً إلى قبول شروط لا يملك القدرة على مناقشتها، في ظل محدودية فرص الشغل والخوف من البطالة، ليصبح الحفاظ على مكان العمل أولوية تتقدم على المطالبة بالحقوق.
وفي حال وقوع مرض أو حادث شغل أو فقدان الوظيفة، تظهر هشاشة هذه الوضعية بشكل أكثر وضوحاً، إذ يمكن أن تتحول الأزمة المهنية إلى أزمة اجتماعية كاملة، خصوصاً بالنسبة إلى من لا يتوفر على تغطية أو حماية اجتماعية كافية.
غير أن المسؤولية، في مثل هذه الملفات، لا يمكن أن تُختزل فقط في المشغل، بل تطرح أيضاً سؤالاً أكبر حول فعالية أجهزة التفتيش والمراقبة، وقدرتها على الوصول إلى مختلف أماكن العمل والتأكد من احترام القواعد القانونية، خصوصاً في القطاعات التي تعتمد على العمل الليلي وتتميز بسرعة دوران اليد العاملة.
وهنا يبرز السؤال حول واقع المراقبة في مدينة مكناس، ومدى قدرة مفتشية الشغل وباقي المتدخلين على رصد الاختلالات المحتملة داخل الحانات والمطاعم والملاهي، والتحقق من وضعية الأجراء، وساعات العمل، وطبيعة العقود، والتصريح بهم، واحترام شروط الصحة والسلامة المهنية.
فالرقابة لا يفترض أن تتحول إلى حملات ظرفية أو ردود أفعال مرتبطة بشكايات عابرة، وإنما إلى حضور مستمر قادر على ردع أي تجاوز محتمل وضمان تكافؤ القواعد بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين.
وتكتسب هذه المسؤولية أهمية أكبر في ظل الورش الوطني المرتبط بتوسيع الحماية الاجتماعية، والذي يجعل حماية العامل وتوفير شروط العيش الكريم جزءاً من رؤية أوسع لإعادة تنظيم سوق الشغل والحد من مظاهر الهشاشة.
ومن زاوية أخرى، فإن استمرار وجود أنشطة اقتصادية تستفيد من جهد اليد العاملة دون ضمان الاستقرار والحقوق قد يضر أيضاً بصورة القطاع نفسه، لأن جودة الخدمات لا تُقاس فقط بجمالية الفضاءات وحجم الإنفاق على الديكور والاستقبال، وإنما كذلك بمدى احترام الأشخاص الذين يقفون خلف هذه الخدمات.
فالنادل الذي يستقبل الزبون بابتسامة، والعامل الذي يسهر على الخدمة حتى ساعات متأخرة، والعاملون في المطابخ والتنظيف والحراسة، جميعهم يشكلون جزءاً أساسياً من هذه الدورة الاقتصادية، ومن غير المنطقي أن تتحول حقوقهم إلى تفصيل هامشي أمام واجهات فاخرة.
وإذا كانت بعض هذه المعطيات تحتاج إلى افتحاص ميداني ووثائق دقيقة لتحديد حجمها الحقيقي، فإن مجرد تداول الشكايات بشأن ظروف العمل يستوجب التعامل معها بجدية، والاستماع إلى الأجراء والمشغلين معاً، والوقوف على مدى احترام النصوص القانونية داخل هذه المؤسسات.
ومن هنا، تبدو الحاجة قائمة إلى حملات تفتيش منتظمة وشفافة تشمل مختلف الأنشطة الليلية بمكناس، مع ترتيب الآثار القانونية والإدارية عند ثبوت أي مخالفة، دون انتقائية أو استثناءات.
فالمدينة التي تسعى إلى تنشيط قطاعات الخدمات والسياحة والترفيه لا تحتاج فقط إلى واجهات براقة، وإنما إلى اقتصاد يحترم كرامة العامل كما يحترم الزبون، ويجعل القانون قاعدة مشتركة للجميع.
وفي النهاية، فإن المعادلة الحقيقية ليست بين الأرباح وحقوق الشغيلة، بل بين اقتصاد ناجح يحترم قواعده واقتصاد هش يقوم على الضغط على الحلقة الأضعف.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بحدة في مكناس: هل ستتحرك الجهات المختصة للتأكد من حقيقة ظروف اشتغال عمال الحانات والملاهي والمطاعم، وهل ستصل المراقبة فعلاً إلى الأماكن التي يشتغل فيها هؤلاء بعيداً عن الأضواء؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد