اليحياوي يطرح السؤال المحرج: هل يعيش المغاربة ضائقة مالية أم يموّلون الاستهلاك بالاقتراض؟

هبة زووم – الرباط
أثارت معطيات المندوبية السامية للتخطيط بشأن تطور مستوى معيشة الأسر المغربية وتوقعاتها المالية نقاشاً جديداً حول حقيقة القدرة الشرائية للمواطنين، في ظل استمرار الإحساس بغلاء المعيشة وتراجع القدرة على الادخار.
وفي هذا السياق، طرح الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي سؤالاً لافتاً حول المفارقة بين التصريحات المتشائمة للأسر وسلوكها الاستهلاكي الذي يبدو، في بعض مظاهره، بعيداً عن صورة العجز المالي التي ترسمها نتائج الاستطلاعات.
وفي تدوينة تفاعلية مع مذكرة إخبارية للمندوبية السامية للتخطيط، استحضر اليحياوي أرقاماً تفيد بأن أكثر من 76 في المائة من الأسر صرحت بتدهور مستوى معيشتها خلال سنة 2025، فيما تتوقع 92 في المائة منها عدم القدرة على الادخار خلال الأشهر المقبلة، بينما قد تضطر نحو 40 في المائة، بحسب المعطيات التي أوردها، إلى استنزاف مدخراتها لمواجهة تكاليف المعيشة.
هذه المؤشرات، في نظر اليحياوي، ترسم صورة قاتمة عن الوضع المالي للأسر المغربية، وتوحي بأن شريحة واسعة من المواطنين باتت تستنزف مواردها لمجرد تغطية النفقات الأساسية، غير أن الباحث يضع هذه الصورة في مواجهة مشهد استهلاكي يراه لافتاً، سواء في المدن أو في البوادي، حيث يستمر الإقبال على اقتناء الهواتف مرتفعة الثمن والسيارات والملابس الرفيعة، رغم الشكاوى المتكررة من الغلاء وضيق ذات اليد.
السؤال الذي يطرحه اليحياوي يتجاوز مجرد مقارنة الأرقام بالمظاهر اليومية، ليصل إلى جوهر العلاقة بين التصريحات بشأن الوضع المعيشي والاختيارات الاستهلاكية للأسر: كيف يمكن التوفيق بين الحديث عن العجز عن الادخار وبين استمرار اقتناء سلع مرتفعة التكلفة؟
ويستحضر الباحث، في هذا السياق، فرضية أن بعض الأسر قد تلجأ إلى الاقتراض طويل الأمد للحفاظ على نمط استهلاكي معين، قبل أن تجد نفسها أمام التزامات مالية تثقل ميزانيتها وتدفعها إلى التذمر من قلة الموارد. ومن هنا يأتي تساؤله حول الجهة التي ينبغي تصديقها: نتائج استطلاعات المندوبية السامية للتخطيط أم مظاهر الاستهلاك التي يلاحظها في الحياة اليومية؟
لكن هذه المفارقة تفتح بدورها باباً أوسع للنقاش؛ فاقتناء هاتف باهظ الثمن أو سيارة لا يشكل، في حد ذاته، دليلاً على تحسن الوضع المالي للأسرة. فقد يكون الاستهلاك ممولاً بالقروض، أو قائماً على التقسيط، أو مرتبطاً بأولويات تختلف من أسرة إلى أخرى. كما أن المظاهر المرئية لا تكشف بالضرورة الوضع الاقتصادي لجميع الفئات، ولا تسمح وحدها بقياس مستوى المعيشة بصورة دقيقة.
إن التناقض الظاهري بين الشكوى من الغلاء واستمرار الاستهلاك يستدعي قراءة أكثر عمقاً من الاكتفاء بوضع تصريحات الأسر في مواجهة ما يظهر في الفضاء العام. فقياس القدرة الشرائية لا يتوقف عند ما يقتنيه المواطن، بل يشمل أيضاً دخله، ونفقاته الأساسية، وحجم ديونه، وقدرته على مواجهة الطوارئ، وما يتبقى له في نهاية الشهر.
كما أن العجز عن الادخار لا يعني بالضرورة انعدام الاستهلاك، بل قد يعني أن الأسرة تواصل الإنفاق رغم تآكل هامش الأمان المالي لديها. وقد يبدو مستوى الاستهلاك مستقراً في الظاهر، بينما يجري تمويله على حساب المدخرات أو عبر التزامات مستقبلية تزيد هشاشة الوضع الاقتصادي.
ومن جهة أخرى، فإن نتائج استطلاعات المندوبية السامية للتخطيط تظل مؤشراً مهماً على تصورات الأسر وتوقعاتها، لكنها تحتاج، عند تحليلها، إلى ربطها بمعطيات الدخل والإنفاق والمديونية والفوارق الاجتماعية والمجالية، حتى تتضح طبيعة الأزمة وحدودها.
وبين تساؤلات اليحياوي ومؤشرات المندوبية، يبقى السؤال المركزي مطروحاً: هل يعكس الاستهلاك الظاهر تحسناً حقيقياً في مستوى المعيشة، أم يخفي وراءه ضغوطاً مالية لا تظهر إلا عند استحقاق الفواتير والأقساط؟ إن الإجابة لا تكمن في التشكيك في شكاوى الأسر أو في الاكتفاء بالمظاهر، بل في تفكيك العلاقة بين الدخل والإنفاق والديون، وفهم كيف تدبر الأسر المغربية حياتها اليومية في مواجهة الغلاء.
فالمفارقة التي أثارها اليحياوي تستحق النقاش، لا باعتبارها دليلاً على أن الأسر تبالغ في شكواها، وإنما باعتبارها مدخلاً لفهم واقع اقتصادي قد يجمع، في الوقت نفسه، بين استمرار الاستهلاك وتراجع القدرة على الادخار وتزايد الشعور بالهشاشة المالية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد