هبة زووم – الرباط
وجّه الباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري انتقادات لاذعة لما اعتبره فجوة بين القسم الدستوري الذي يؤديه أعضاء الحكومة والمسؤولون، وبين الممارسة الفعلية لتدبير الشأن العام، معتبراً أن قيمة القسم لا تُقاس بصيغته ولا بمراسم أدائه، وإنما بما يترتب عنه من التزام بالنزاهة وخدمة المواطنين واحترام القانون.
وفي تدوينة جديدة، استهل الكنبوري ملاحظاته بالإشارة إلى أداء أعضاء الحكومة القسم الدستوري أمام الملك، قبل أن يطرح، بأسلوب ساخر، فكرة نقل المسؤولين إلى الكعبة المشرفة لأداء القسم والمبيت فيها ثلاثة أيام، في تعبير عن تشكيكه في قدرة الطقوس وحدها على ضمان الالتزام الأخلاقي والعملي بالمسؤولية.
واستحضر الباحث مقولة الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه: «إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»، ليدافع عن مركزية القانون والمحاسبة في ضبط سلوك المسؤولين، معتبراً أن القسم، مهما كانت رمزيته الدستورية والدينية، يفقد أثره حين لا تواكبه آليات فعلية للمساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وتذهب التدوينة إلى أبعد من نقد الشكل البروتوكولي لأداء القسم، إذ تربط بين خطورة الحلف بالله وبين واجب الامتناع عن الاعتداء على المال العام أو استغلال المنصب لتحقيق مصالح خاصة. ويعتبر الكنبوري أن المسؤول الذي يستحضر المعنى الأخلاقي والديني للقسم ينبغي أن يدرك أن تولي السلطة ليس امتيازاً شخصياً، بل أمانة تترتب عنها مسؤوليات قانونية وأخلاقية.
كما انتقد الباحث ما وصفه بالتسابق على الحقائب الوزارية والركض خلف المناصب، معتبراً أن هذا السلوك يثير أسئلة بشأن الدوافع الحقيقية وراء السعي إلى المسؤولية، ومدى استحضار أصحابها لثقل الأمانة الملقاة على عاتقهم.
وفي هذا السياق، استحضر صورة المسؤولين والعلماء الذين كانوا، بحسب ما قرأه في كتب التراجم، يتحاشون تولي المناصب، ولا سيما القضاء، لما يترتب عنه من تبعات ومسؤوليات جسيمة.
وتحمل التدوينة، في عمقها، دعوة إلى إعادة الاعتبار لمفهوم المسؤولية باعتبارها تكليفاً لا تشريفاً، وإلى الانتقال من الاكتفاء بالقسم والخطاب الأخلاقي إلى منظومة واضحة من الشفافية والمراقبة والمحاسبة. فالمشكلة، وفق هذا المنظور، لا تكمن في أداء القسم في حد ذاته، وإنما في احتمال انفصاله عن الممارسة اليومية، حين تصبح الالتزامات المعلنة بلا أثر ملموس في تدبير المال العام وقضاء مصالح المواطنين.
وبين رمزية القسم الدستوري وواقع الممارسة السياسية، يضع الكنبوري سؤالاً جوهرياً أمام المسؤولين: ما قيمة التعهدات إذا لم تنعكس على النزاهة والإنصاف وحماية المصلحة العامة؟ وهو سؤال تتجاوز دلالته الأشخاص والحكومات، ليطال فعالية مؤسسات الرقابة والمحاسبة، وقدرتها على جعل الالتزام بالقانون واجباً عملياً لا مجرد إعلان رسمي.
وتخلص الرسالة النقدية للتدوينة إلى أن إصلاح الحياة العامة لا يتحقق بالمواعظ وحدها، ولا بتشديد الخطاب الديني فحسب، بل بإرساء قواعد مؤسساتية تجعل كل مسؤول مطالباً بتقديم الحساب عن قراراته وأدائه، وتضمن ألا يتحول المنصب إلى غاية في حد ذاته، بل يظل وسيلة لخدمة المواطنين وصون حقوقهم.
تعليقات الزوار