أبي الجعد.. حصان هائج يفضح فوضى العربات المجرورة ويضع السلطات أمام امتحان المسؤولية

هبة زووم – أبي الجعد
لم يعد مقبولاً أن تتحول شوارع وأزقة المدن، خصوصاً محيط الأسواق الشعبية، إلى فضاءات مفتوحة للمخاطر، حيث تتقاطع حركة المتسوقين مع وسائل نقل تقليدية من دون أن تكون سلامة المواطنين أولوية واضحة في التدبير والمراقبة.
هذا السؤال عاد بقوة إلى الواجهة بمدينة أبي الجعد، عقب حادث خطير شهدته، صباح الأربعاء الماضي، منطقة حي سيدة بتجزئة الأمل بجنان برحال، بعدما هاج حصان كان يجر عربة وسط المتسوقين، مخلفاً إصابات متفاوتة الخطورة، وفق المعطيات الأولية المتداولة.
وحسب المعلومات المتوفرة، فقد السائق السيطرة على الحصان في ظروف لا تزال غير واضحة، ليندفع الحيوان وسط المارة، ناشراً حالة من الهلع والفوضى، وسط حضور نساء وأطفال ومتسوقين وجدوا أنفسهم أمام خطر مفاجئ، واضطروا إلى الفرار في اتجاهات مختلفة. كما تحدثت المعطيات عن إصابات وحالات إغماء، فيما انتقلت السلطات المحلية وعناصر الأمن الوطني ومصالح الوقاية المدنية إلى مكان الحادث فور إشعارها.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بكيفية وقوع الحادث، بل بما إذا كانت التدابير الوقائية الضرورية متوفرة أصلاً في فضاءات تعرف اكتظاظاً يومياً، وبمدى خضوع العربات المجرورة للمراقبة والتنظيم، خصوصاً عندما تستعمل في محيط الأسواق والأحياء التي تعج بالراجلين.
إن وصف ما وقع بأنه حادث عرضي لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لإغلاق الملف دون مساءلة أو استخلاص الدروس. فحين تنطلق عربة يجرها حصان وسط المتسوقين، وتتعرض سلامة النساء والأطفال للخطر، يصبح من المشروع التساؤل عن شروط مرور هذه العربات، وعن مسؤولية الجهات المكلفة بتنظيم الفضاء العام، وعن الإجراءات التي يمكن اتخاذها لمنع تكرار مثل هذه الوقائع.
ولا يتعلق الأمر بالدعوة إلى استهداف أصحاب العربات أو تجاهل الظروف الاجتماعية لفئة تعتمد على هذا النشاط لكسب قوتها اليومي، بل بالمطالبة بتنظيم واضح يضمن الحق في العمل من جهة، ويحمي أرواح المواطنين وحقهم في التنقل الآمن من جهة أخرى، فالتنظيم ليس عقاباً للفئات الهشة، كما أن الوضع الاجتماعي لا يمكن أن يكون مبرراً لترك المخاطر من دون معالجة.
وتزداد الأسئلة إلحاحاً مع تداول معطيات تفيد بأن صاحب العربة غادر المكان عقب الحادث، وهي نقطة تستوجب التحقق من ملابساتها، وتحديد هوية المعني بالأمر والاستماع إليه، إن تأكدت الواقعة، حتى تتضح المسؤوليات وفق نتائج البحث، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الاتهامات غير المثبتة.
إن مسؤولية السلطات المحلية والجماعة والجهات المختصة لا تبدأ بعد وقوع الحوادث، بل تقتضي اعتماد تدابير استباقية، من بينها تنظيم حركة العربات المجرورة، وتحديد المسارات أو المجالات التي يمكنها استعمالها، ومراقبة شروط السلامة، وتكثيف الحضور التنظيمي في محيط الأسواق خلال فترات الذروة.
أما الاكتفاء بالتدخل بعد وقوع الحادث، ثم العودة إلى الوضع السابق، فلن يكون كافياً لطمأنة الساكنة أو ضمان سلامة المتسوقين. المطلوب هو خطة عملية واضحة، لا حملات ظرفية سرعان ما ينتهي أثرها، مع توضيح الإجراءات المتخذة والجهة المسؤولة عن تنفيذها ومراقبتها.
وتطرح الواقعة أيضاً ضرورة تقييم واقع تدبير الفضاء العام بمدينة أبي الجعد، ومدى قدرة المتدخلين على التوفيق بين متطلبات النشاط التجاري التقليدي وحق المواطنين في فضاءات منظمة وآمنة، فالمظهر الحضري للمدينة ليس مجرد واجهات وشوارع، بل هو، قبل كل شيء، قدرة مؤسساتها على حماية الناس من مخاطر يمكن توقعها والحد منها.
إن حادث الحصان الهائج ينبغي أن يشكل جرس إنذار حقيقياً، لا خبراً عابراً يختفي بمجرد انحسار حالة الهلع. والساكنة تنتظر توضيحات بشأن الحصيلة الرسمية للإصابات، ونتائج البحث في ظروف الواقعة، والتدابير التي ستُعتمد لتفادي تكرارها.
فمن غير المقبول أن تظل سلامة المتسوقين رهينة الصدفة، أو أن تنتظر الجهات المعنية وقوع حادث جديد حتى تتحرك، فحماية المواطنين مسؤولية يومية، وأي اختلال في تنظيم الفضاء العام يستدعي التوضيح والمعالجة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وفق ما تثبته الوقائع والقوانين.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد