هبة زووم – فاس
أعاد ارتفاع أسعار المحروقات وتزايد تكاليف الاستغلال إشعال النقاش حول تعريفة سيارات الأجرة بالعاصمة العلمية، في ظل مطالب بمراجعة الحد الأدنى للمشوار، وسط تساؤلات متزايدة بشأن مدى قدرة المواطنين على تحمّل زيادات جديدة في كلفة التنقل، خصوصًا في ظل استمرار الضغط على القدرة الشرائية للأسر.
وفي خضم هذا الجدل، يستند بعض المهنيين إلى ارتفاع أسعار مواد استهلاكية وخدمات أخرى، أو إلى الأثمنة التي يؤديها بعض الزبائن مقابل التنقل عبر التطبيقات، لتبرير الحاجة إلى مراجعة تعريفة سيارات الأجرة. غير أن هذه المقارنات لا تبدو كافية، بمفردها، لحسم النقاش؛ فارتفاع سعر مادة غذائية لا يعني بالضرورة أن ترتفع تعريفة النقل بالنسبة نفسها، كما أن قدرة بعض الزبائن على دفع 20 درهمًا مقابل رحلة عبر تطبيق لا تعني أن جميع المواطنين يستطيعون تحمّل أداء 12 درهمًا عن كل مشوار قصير.
فالنقل ليس مجرد خدمة تجارية تخضع لمنطق العرض والطلب وحده، بل هو حاجة يومية ترتبط بتنقل العمال والموظفين والطلبة والمرضى وغيرهم من الفئات التي تعتمد على سيارات الأجرة لقضاء أغراضها. لذلك، فإن أي مراجعة للتعريفة ينبغي أن تراعي، في الوقت نفسه، كلفة الخدمة والوضعية الاجتماعية للسائقين والقدرة الشرائية للمرتفقين.
من 6 إلى 12 درهمًا.. من يستفيد من الزيادة؟
في صلب النقاش المطروح، يبرز سؤال أساسي بشأن الحديث عن رفع الحد الأدنى للمشوار من 6 إلى 12 درهمًا: هل ستنعكس هذه الزيادة فعليًا على دخل السائق وتحسين ظروف اشتغاله، أم أن جزءًا منها قد يذهب إلى تغطية تكاليف الاستغلال والمبالغ اليومية التي يؤديها مقابل استخدام السيارة؟
ويكتسي هذا السؤال أهمية خاصة بالنظر إلى ما يثيره بعض المهنيين بشأن نظام استغلال سيارات الأجرة، ومنه ما يُعرف بـ«الروسيتا»، أي المبلغ الذي يؤديه السائق لمالك السيارة مقابل استغلالها. فالمشكلة لا تتعلق فقط بما يدفعه الراكب في نهاية الرحلة، بل أيضًا بكيفية توزيع المداخيل والأعباء بين مختلف المتدخلين في القطاع.
ومن ثم، فإن الاكتفاء برفع التعريفة، دون تقييم شامل لمنظومة الاستغلال، قد لا يحقق بالضرورة الهدف المعلن المتمثل في تحسين الوضعية الاجتماعية للسائقين. إذ تظل هناك تكاليف أخرى مرتبطة بالمحروقات والتأمين والصيانة وإصلاح الأعطاب، فضلًا عن ظروف العمل ومدى استفادة المهنيين من الحماية الاجتماعية.
وإذا كانت هذه الأعباء تضغط فعلًا على مردودية السائق، فإن معالجتها تستوجب تشخيصًا دقيقًا وشفافًا، بدل اختزال الأزمة في تغيير المبلغ الذي يؤديه المواطن مقابل الرحلة.
العداد والتعريفة.. حق المواطن في الوضوح
ولا يمكن فصل النقاش حول الزيادة عن مسألة احترام التعريفة المعتمدة واستعمال العداد، باعتبارهما من العناصر الأساسية لضمان الشفافية في العلاقة بين السائق والزبون.
فمن حق المواطن أن يعرف كيف جرى احتساب ثمن الرحلة، وأن يستفيد من خدمة واضحة لا تختلف أثمنتها بحسب تقدير كل سائق أو قدرة كل راكب على التفاوض. كما أن المطالبة بمراجعة التعريفة ينبغي أن تمر عبر القنوات القانونية والمؤسساتية، من خلال تقديم المعطيات التي تبررها وفتح حوار مع السلطات المختصة، مع التمييز بين المطالب المهنية والقرارات الرسمية التي تحدد الأسعار المعمول بها.
وفي هذا السياق، فإن أي حديث عن اعتماد حد أدنى جديد، من 6 إلى 12 درهمًا، يظل محتاجًا إلى توضيح وضعه القانوني والجهة المخول لها إقراره، حتى لا يتحول النقاش حول الزيادة إلى واقع مفروض على المواطنين قبل حسمه رسميًا.
أزمة القطاع أوسع من سعر اللتر الواحد
ورغم أهمية القدرة الشرائية للمواطنين، فإن معالجة الملف لا يمكن أن تتم عبر تجاهل الصعوبات التي يواجهها مهنيّو سيارات الأجرة. فارتفاع تكاليف التشغيل، والازدحام المروري، واختلالات تنظيم بعض المسارات، ومشاكل تجديد الأسطول، كلها عوامل تستدعي حلولًا عملية تضمن استمرارية الخدمة وتحسين ظروف العاملين بها.
كما أن التوسع في استعمال تطبيقات النقل يطرح بدوره أسئلة قانونية وتنظيمية بشأن شروط المنافسة، والسلامة، وحماية المستهلك، وحقوق المهنيين. وهي قضايا تحتاج إلى نقاش مؤسساتي واضح، بدل ترك التنافس بين وسائل النقل التقليدية والحديثة يتطور في اتجاه يزيد من حدة التوتر بين السائقين والزبائن.
فليس من المنطقي تحميل السائق وحده مسؤولية اختلالات القطاع، كما لا يصح اعتبار كل ارتفاع في تكاليف الاستغلال مبررًا كافيًا لفرض زيادة جديدة على المواطن. المطلوب هو البحث عن مكامن الخلل، وتحديد مسؤولية كل طرف، ووضع قواعد واضحة توازن بين استدامة الخدمة وحماية المستهلك.
الفاسيون بين تكاليف التنقل وضغط المعيشة
بالنسبة إلى سكان فاس، لا يتعلق الأمر بمجرد خلاف مهني حول بضعة دراهم، بل بمصاريف يومية تتراكم في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة. فالمواطن الذي يحتاج إلى التنقل لمسافة قصيرة قد يجد نفسه أمام عبء إضافي إذا ارتفع الحد الأدنى للمشوار إلى 12 درهمًا، خصوصًا إذا كان مضطرًا إلى استعمال سيارة الأجرة أكثر من مرة خلال اليوم.
وفي المقابل، يطالب السائقون بدخل يضمن لهم الحد الأدنى من الاستقرار، ويتيح لهم تغطية تكاليف العمل ومواجهة الأعباء المتزايدة. وبين هذين المطلبين، تبرز مسؤولية السلطات المعنية في تدبير القطاع وفق مقاربة لا تجعل طرفًا يتحمل وحده كلفة الاختلالات المتراكمة.
ومن هنا، فإن الحل لا يبدأ بوضع المواطن في مواجهة السائق، ولا بتصوير المهني باعتباره المسؤول الوحيد عن غلاء التنقل، بل بإرساء حوار جدي يستند إلى أرقام دقيقة حول تكاليف الاستغلال والمداخيل الفعلية، مع توضيح أثر أي مراجعة محتملة للتعريفة على الطرفين.
كما أن الشفافية تقتضي تقديم أجوبة واضحة عن أسئلة جوهرية: ما حجم الزيادة التي يحتاجها السائق فعلًا؟ وما الجزء الذي سيصل إليه من أي مداخيل إضافية؟ وهل يمكن تحسين وضعيته عبر إصلاح شروط الاستغلال وتخفيف بعض الأعباء، بدل تحميل الراكب وحده فاتورة ارتفاع التكاليف؟
12 درهمًا.. رقم يختبر عدالة تدبير القطاع
إن مبلغ 12 درهمًا، في حال اعتمادُه حدًا أدنى للمشوار، ليس مجرد رقم في خلاف مهني، بل عنوان لنقاش أوسع حول عدالة تدبير قطاع يرتبط بالحياة اليومية لآلاف المواطنين والمهنيين.
فإذا كانت هناك مبررات اقتصادية واجتماعية تستدعي مراجعة التعريفة، فمن الضروري عرضها بوضوح، وتفسير كيفية احتسابها، وتحديد انعكاساتها على دخل السائق وكلفة تنقل المواطن، بالتوازي مع إصلاح الاختلالات التي تؤثر في جودة الخدمة وظروف العمل.
ولا يعني الدفاع عن القدرة الشرائية للمواطنين إنكار حق المهنيين في تحسين أوضاعهم، كما أن المطالبة بإنصاف السائقين لا تعني تجاهل محدودية دخل فئات واسعة من المرتفقين. فالطرفان يواجهان ضغوطًا مختلفة، ولا ينبغي أن يتحول أحدهما إلى وسيلة لتعويض اختلالات لم يكن مسؤولًا عنها.
إن الفاسيين لا يرفضون، من حيث المبدأ، حق السائقين في المطالبة بظروف عمل أفضل، لكنهم ينتظرون أن تكون أي زيادة محتملة مبررة وشفافة، وأن تقترن بتوضيح رسمي للتعريفة وضمانات لتحسين الخدمة واحترام حقوق الزبائن.
وبين حق السائق في دخل يحفظ كرامته وحق المواطن في تنقل بأسعار معقولة، يبقى السؤال المطروح: من يحمي المهني من الهشاشة، ومن يحمي المواطن من أن يتحول كل مشوار قصير إلى عبء جديد على ميزانيته؟
إن الجواب لا يكمن في رفع الأسعار وحده، بل في تنظيم عادل للقطاع، وتوزيع منصف للأعباء، وحوار مسؤول يضع مصلحة السائق والراكب معًا في صلب أي قرار مرتقب.
تعليقات الزوار